ص _040
وهذا معنى قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة) . فأنواع القصاص التى أقامها الشارع هى كلها ضوابط وحصانات لإشاعة حق الحياة في أسمى صورها بين الناس أجمعين . ومن هنا حرم الإسلام كل عمل ينتقص من هذا الحق. سواء أكان هذا العمل تخويفا أو إهانة أو ضربا أو اعتقالا ، أو تطاولا أو طعنا في العرض فإن حياة الإنسان المادية والأدبية موضع الرعاية والاحترام. قال عليه الصلاة والسلام: (ظهر المسلم حمى إلا بحقه ) . وقال: ( من جرد ظهر مسلم بغير حق لقى الله وهو عليه غضبان) . وليس ذلك التحذير بالنسبة إلى المسلمين وحدهم. فقد روى هشام بن حكيم أنه مر بالشام على أناس من الأنباط ، وقد أقيموا في الشمس وصب على رؤوسهم الزيت فقال: ما هذا ؟ قيل يعذبون في الخراج . فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله"صلى الله عليه وسلم"يقول: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) . ودخل على الأمير فحدثه فأمر بهم فحلوا . إن الإسلام يحب إشاعة الطمأنينة التامة في أكناف المجتمع. بحيث ينال الإنسان - مسلما كان أو غير مسلم - نصيبا موفورا من طمأنينة الحياة واستقرارها. حدث زيد بن سعنة وهو من أحبار اليهود أنه أقرض النبى - صلى الله عليه وسلم - قرضا كان قد احتاج إليه ليسد به خللا في شئون نفر من المؤلفة قلوبهم . ثم رأى أن يذهب قبل ميعاد الوفاء المحدد ليطالب بدينه . قال: أتيته - يعنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ . قلت له: يا محمد ألا تقضينى حقى ؟ فوالله ما علمتكم بنى عبد المطلب إلا مطلا ! ولقد كان لى بمخالطتكم علم !!. ونظر إلى عمر وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير. ثم رمانى ببصره فقال: يا عدو الله.. أتقول لرسول الله"صلى الله عليه وسلم"ما أسمع ، وتصنع به ما أرى ص _041