فهرس الكتاب
فريضة كالصلاة ، فترى في أعمالها منذ افتتاحها بالتكبير واختتامها بالتسليم سبعين حكما قد يكون أحدها مضادا للآخر. ومع ذلك فإن الحرية الهائلة التى أتاحها الإسلام للباحثين المجتهدين وسع تلك الأنحاء ، مع تقدير متبادل وأخوة في الدين مقررة . وربما اختلف الأولون في كلامهم عن العقائد نفسها فقدم بعضهم العقل على النقل ، ص _055
وقدم آخرون النقل على العقل. وعند التأمل نرى أن الفريقين يقدران قيمة العقل الإنسانى ويعرفان له مكانته الضخمة. لكن الفريق الذى يؤخره على النقل يحدد له مجال عمله الناجح، ويقصره على الميدان الذى يستطيع فيه ترتيب المقدمات واستخلاص النتائج. أما الزج بالفكر الإنسانى في عالم ما وراء المادة ليبتكر أحكاما وينشئ تصورات. فهذا تحميل للعقل فوق طاقته. ومن العبث انتظار خير منه في هذه المجالات. والخلاف بين المحافظين من أهل السنة والمتطرفين من المعتزلة يبدأ من هذه النقطة. فأهل السنة يحترمون العقل؟ لأنهم مسلمون يتصلون بكتاب الله الذى رفع قدره، وكرم أهله. لكن إقحام العقل في عالم الغيب، وتكليفه بدراسة فاحصة لما وراء المادة ظلم للعقل واعنات له. والمعتزلة أخطاؤا عندما اعتمدوا على الفكر الإنسانى في هذا الميدان البعيد. قال الأستاذ أحمد أمين:"فجوهر الخلاف إذن بين هؤلاء المعتزلة وأهل السنة، هو سلطة العقل ومداها وحدودها.. رأى المعتزلة أن العقل البشرى قد منح من السلطة والسعة ما يمكنه من إقامة البرهان حتى على ما يتعلق بالله . فلا حدود للعقل إلا براهينه ، ولا زلل ولا خطأ متى صح البرهان ، فاستعملوا البراهين في أدق الأمور وأصعبها وأعقدها . إذ في استطاعة العقل الوصول إلى الحق فيها . وكانت نزعة المعتزلة هذه متجلية في كل أبحاثهم يسيرون وراء البرهان إلى نهايته ويثيرون أصعب المشاكل وأعقدها، ثم يتعرضون لحلها، فإذا تم لهم حلها- أو على الأقل اعتقدوا بحلها-، تأولوا آيات القرآن على مقتضاها. وعلى العكس"