فهرس الكتاب
قبض الأوراق التجارية
والقبض مطلق في الشرع فيرجع فيه إلى العرف، فمثلا قبض الذهب غير قبض العقار، غير قبض الأغنام، يعني كل شيء بحسبه، ويرجع في ذلك إلى العرف، ما عده الناس قبضا فهو قبض، ولهذا قال الموفق ابن قدامة: القبض مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإحراز ... والتفرق.
وإذا أردنا أن نبحث مسألة قبض الأوراق التجارية، أما ما كان مستحق الوفاء بعد مدة، يعني إذا كانت الأوراق التجارية مؤجلة كما في الكمبيالة والسند لأمر، إذا كانا مؤجلين هنا ظاهر أنه لا قبض، وبناء على ذلك لا يجوز مثلا بيع الذهب بكمبيالة مؤجلة، أو بسند لأمر مؤجل، لكن إذا كانت الورقة التجارية واجبة الدفع لدى الاطلاع، كالشيك مثلا، هل يعتبر تسلم الشيك في حكم القبض لمحتواه، وبناء على ذلك يجوز مثلا شراء الذهب بالشيك، لو ذهبت لمحل تجاري واشتريت كمية كبيرة من الذهب وكتبت لصاحب محل الذهب شيكا، هل هذا يجوز؟ هذا يرجع لهذه المسألة، وهي هل يعتبر تسلم الشيك قبض لمحتواه، أو أنه لا يعتبر؟ اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن تسلم الشيك يعتبر قبضا لمحتواه، وبناء على ذلك يجوز أن تشتري بهذا الشيك ذهبا أو فضة مثلا، فيعتبر قبضا لمحتواه، وعللوا ذلك بأن الشيك يحاط بضمانات كبيرة، تجعل القابض له مالكا لمحتواه، ويستطيع أن يتصرف فيه فيبيع ويهب ويشتري إلى آخره.
القول الثاني: أن تسلم الشيك ليس في معنى القبض لمحتواه، أن تسلم الشيك ليس في قوة القبض لمحتواه، وبناء على ذلك لا يجوز أن يحرر به ما يشترط فيه التقابض كالذهب.
ومن أبرز من قال بهذا القول الشيخ محمد العثيمين رحمه الله، حتى ولو كان الشيك مصدقا فيقول: تسلم الشيك ليس في قوة القبض لمحتواه، سواء كان الشيك مصدقا أو غير مصدق، وأذكر أنني ذهبت للشيخ محمد بن العثيمين رحمه الله وسألته عن هذه المسألة فذكر لي رأيه هذا، قال: إن تسلم الشيك ليس بقوة القبض لمحتواه، فقلت: حتى ولو كان مصدقا؟ قال: حتى ولو كان مصدقا. وقال: أرأيت لو أن هذا الشيك ضاع، أليس يرجع صاحبه على البنك فيسلم له بدله، فإذن هو لا يقوم مقام النقد، بينما النقود لو ضاعت لما أمكن الرجوع على أحد، تضيع على صاحبها، وهذه هي وجهة أصحاب هذا القول، فيقولون: إن تسلم الشيك ليس في قوة القبض لمحتواه، سواء كان مصدقا أو غير مصدق؛ لأنه لو ضاع لأمكن الرجوع إلى مُصدِره، وهو المسحوب عليه الذي هو البنك، وبينما الأوراق النقدية لو ضاعت فإنها تضيع على صاحبها، ولا يمكن الرجوع على أحد، ولأن الشيك يتعرض لعدة احتمالات من جهة كونه ليس فيه رصيد، أو لا يقبله البنك أو نحو ذلك، فالقابض لمحتوى الشيك