الصفحة 3 من 211

ليقال هو قارئ، فقد قيل -أي نلت جزاءك في الدنيا وأجرك في الدنيا- ثم أمر به فسحب على وجهه فألقي في النار"."

قال بعض أهل العلم: لو أن هذا سلم من هذا العلم لكان خيرا له؛ لأنه أصبح هذا العلم وبالا عليه، فأصبح من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، وهذا يبين لنا أهمية إخلاص النية لله - عز وجل - في طلب العلم، وذلك بأن ينوي به طالب العلم رفع الجهل عن نفسه، ورفع الجهل عن غيره، والدعوة إلى الله - عز وجل - والدفاع عن دينه، ولا يريد بذلك رياء ولا سمعة ولا عرضا من الدنيا.

الأمر الثالث: أوصي بالصبر والجلد في طلب العلم، فإن العلم كما قيل: إن أعطيته كلك أعطاك بعضه. والعلم أيها الإخوة لا ينال دفعة واحدة، لا يأتي للإنسان دفعة واحدة وإنما يحصله الإنسان شيئا فشيئا. وقد كان السلف رحمهم الله يرحلون في سبيل طلب العلم، حتى أصبحت الرحلة في طلب العلم أمرا معروفا ومعهودا عند السلف، بل أصبح من لم يرحل في طلب العلم عندهم، يصبح ذلك مثلبا في حقه، بل إن من السلف من رحل من أجل سماع حديث واحد فقط، ومنهم جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه - فإنه رحل من المدينة إلى الشام من أجل سماع حديث واحد فقط.

قد أشار إلى هذه القصة البخاري في صحيحه معلقا لها بصيغة الجزم، وذلك أن جابرا بلغه أن عند عبد الله بن أنيس -رضي الله عنه رضي الله عن الجميع- حديثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرحل جابر ومكث في هذه الرحلة شهرا، رحل وحده على بعيره، وبعد شهر وصل إلى الشام، فاعتنقه عبد الله بن أنيس وسأله جابر، قال: بلغني أن عندك حديثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فخشيت أن أموت أو تموت، فذكر له قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاّ"الحديث، فرجع جابر بن عبد الله ومكث في العودة شهرا آخر، أي أنه مكث شهرين كاملين من أجل سماع حديث واحد فقط.

وأبو أيوب الأنصاري أيضا رحل من المدينة إلى مصر من أجل سماع حديث واحد فقط؛ ولهذا لا يستكثر طالب العلم أن يأتي إلى مثل هذا المكان ولو من مكان بعيد. السلف يرحلون إلى طلب العلم.

وأقول: إن العلم يحتاج إلى صبر وإلى جلد وإلا فمن أراد أن ينال العلم براحة الجسد فإنه أراد المحال، أخرج مسلم في صحيحه عن يحيي بن أبي كثير أنه قال:"لا ينال العلم براحة الجسد"والعجيب أن مسلما ذكر هذا في باب مواقيت الصلاة. قال بعض الشرّاح: أن المناسبة: أن مسلما ذكر عدة روايات تعب واجتهد في جمعها، ثم ذكر هذا الأثر عن يحيي بن أبي كثير: لا يستطاع العلم براحة الجسد.

وثمرة العلم هي العمل به وإلا علم بلا عمل لا فائدة منه، لا فائدة من علم بلا عمل، ومن المؤسف أن تجد بعض طلاب العلم -الذين ينبغي أن يكونوا قدوة لغيرهم- تبدر منهم تصرفات -خاصة فيما يتعلق في أبواب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت