فهرس الكتاب
الاحتمال الثالث: أنه يأخذها ويتلفها إما بحرقها أو بإتلافها بأي صورة من صور الإتلاف وهذا أيضا مرفوض؛ لأنه إضاعة للمال.
الاحتمال الرابع: أنه يأخذها ويصرفها في وجوه البر بنية التخلص، وهذا هو الذي يتعين المصير إليه.
وهل يجوز أن يتصدق بها على الفقراء والمساكين؟ نقول: نعم، يتصدق بها على الفقراء والمساكين، ولا يقال: إن هذا مال خبيث كيف يتصدق به على فقير أو مسكين؟ نقول: لأن تبدل الملك سبب لتبدل الذات، وهذه قاعدة، قاعدة فقهية: أن تبدل الملك سبب لتبدل الذات، ويدل لهذه القاعدة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"هو لها صدقة ولنا هدية"لما تصدق على بريرة فأهدت للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقيل: يا رسول الله إنها صدقة، ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يأكل الصدقة فقال:"هو لها صدقة ولنا هدية"فإذا أهدى الفقير هدية بصدقة تصدق بها عليه فإنها تصبح هدية ولا تصبح صدقة؛ لأنه بمجرد تملك الفقير الصدقة أصبحت ملكا له ولم تعد صدقة، فله أن يتصرف فيها إما بإهداء أو بيع أو نحو ذلك.
فتبدل الملك سبب لتبدل الذات، وهكذا أيضا نقول: هذا الشخص عنده هذا المال حرام إذا أعطاه لفقير هنا تبدل الملك، فيعتبر للفقير حلالا بينما لهذا الشخص كان في حقه حراما، ومما يدل لهذا أن الإنسان يتعامل مع غيره وربما يكون هذا المتعامل معه ربما يكون هذا المال الذي يتعامل به معه محرما، ربما يكون هذا المال مثلا مسروقا.
لو ذهبت واشتريت سلعة من شخص، نعم بعت سلعة على شخص وأخذت منه دراهم ولم تعلم بأن هذه الدراهم التي أعطاك إياها أنها مغصوبة مثلا أو مسروقة فإنه لا شيء عليك، أو حتى لو
أخذها من طريق ربوي ولم تعلم أنت بهذا، وإلا لو قلنا بأن كل شخص عليه بأن يتتبع مصدر هذا المال للحق الناس حرج عظيم، فتبدل الملك إذا سبب لتبدل الذات، إذا لا بأس بأن تعطى الفقراء والمساكين.
ومما يدل لهذا أنه لو أن شخصا عنده مال وهذا المال محرم لكسبه ثم توفي، فإنه يصبح لورثته مباحا يصبح لورثته حلالا؛ لأن تبدل الملك سبب لتبدل الذات، فلو كان شخص يتعامل بالربا ثم توفي، فإنه تكون أمواله كلها مباحة للورثة، وهذا في قول عامة أهل العلم.
فإذا لا بأس بأن يعطي هذا المال الفقراء والمساكين، أو يتصدق بها في أي وجه من وجوه البر والإحسان وما ينفع المسلمين.
وقول بعض من العلماء: إنه لا يتصدق بها إلا في دورات المياه، المساجد، ونحو ذلك، هذا محل نظر؛ لأنه لا دليل على هذا القول، ولأن هذا المال كما ذكرنا تغير وتبدل ملكه، يعني تغير حقيقته وتكييفه، يعني القول بأنه لا يتصدق به إلا في مثل هذه الأمور ليس عليه دليل، والصواب أنه يتصدق به في أي وجه من وجوه البر، ولا بأس بأن يعطيه الفقراء والمساكين هذا ما يتعلق بهذه المسألة.