فهرس الكتاب
ولقد استطاع هذا الجيل الجاد، أن يحقق الهدف، فحرر الله على يديه الأرض المقدسة.
3 -لو سرت بنا:
حين خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه لمواجهة المشركين في غزوة بدر، وكان أصحابه يظنون أنهم خرجوا للعير وفاتت العير ولم يبق إلا ذات الشوكة استشار - صلى الله عليه وسلم - أصحابه كعادته، فتكلم أبو بكر -رضي الله عنه- فأعرض عنه، ثم تكلم عمر -رضي الله عنه- فأعرض عنه، فقال سعد بن عبادة -رضي الله عنه-: إيانا يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا [1] .
وفي رواية فقال بعض الأنصار: إياكم يريد رسول الله يا معشر الأنصار، فقال بعض الأنصار: يا رسول الله، إذًا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } (المائدة:24) ولكن والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك [2] .
لقد كان هذا الجيل الذي تربى تلك التربية أهلًا لأن يحقق تلك المنجزات والانتصارات والتي ليست بدر إلا فاتحتها، لقد كان يقول تلك الكلمة وهو في الميدان، وهو يدرك تمامًا مسئوليتها، أما قبل ذلك فما أكثر من يقولها وحين يحين البأس تتحول اللهجة إلى { ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} (النساء: 77 ) ، وتبدو العبرة هنا لا في هذه المقولة التي لا تصدر من غير الجادين، بل في استشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - لعامة أصحابه وتحميلهم المسئولية في ذلك، فالاستشارة تربية على الجدية والمسئولية الفردية، وهي في الوقت نفسه دليل على ثقة النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الجيل الذي رباه.
(1) رواه مسلم (1779) .
(2) رواه أحمد. قال ابن كثير هذا إسناد ثلاثي على شرط الصحيح ( البداية والنهاية 3/288) . وانظر السيرة النبوية الصحيحة لأكرم العمري (2/358-359) . وهو من أحسن ماكتب في السيرة.