فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 82

إننا لانجد مبررًا أن يعد عمر الشاب التربوي بالسنوات، وتحجب عنه مع ذلك البرامج الجادة لئلا تكون عائقًا له، ثم ماعسى هذا الجيل الذي يعيش محروسًا بهذا القلق والوجل، ويبقى على التأليف والترغيب سنين عددًا، ماعسى من يتخرج في مثل هذه الأجواء أن يصنع أو يواجه المشكلات التي أمامه، فضلًا عن أن تعتمد عليه الدعوة في مراحلها الحرجة؟

إننا نرى الشاب حين يسلك بإذن الله طريق الهداية تتحول حياته رأسًا على عقب، وينتقل نقلةً هائلةً في جوانب شتى من حياته، فنتساءل حينئذ أيهما أطول مسافة: تلك التي قطعها حين استقام، فتقبل كثيرًا من الأعراف، وتخلى عن كثيرٍ من الرغبات، أو النقلة التي نريده أن يصل إليها؟

إن تلك النقلة الهائلة التي ينتقلها الشاب حين استقامته، تعطينا دلالة على أن الشاب قادر أن ينتقل نقلة أخرى إلى مستويات عالية من الجدية، لقد كان غاية همه في السابق الرياضة واللهو، وكان لايفارق الأزقة وأماكن اللعب، فاستبدل الخير بالذي هو أدنى، وصارت طموحاته وأمنياته أعلى وأسمى، أفلا يستطيع وقد انتقل هذه النقلة أن ينتقل نقلة أخرى؟

وهاهو مصعب بن عمير -رضي الله عنه- كان أعطر فتيان مكة وأنعمهم وأشدهم ثراءً، ومع ذلك مات وليس له إلا بردة إن غطي بها رأسه بدت قدماه، وإن غطيت قدماه بدا رأسه، وعاش هذه الحال راضيًا مطمئنًا، لقد نقلته التربية النبوية إلى مراتب من الجدية والحزم مع النفس تجاوز معها ما اعتاده في جاهليته من ثراء وترف.

لقد كانت تُتَصور هذه الحالة من غيره من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن كان يعيش حالة متواضعة، لكن أن يكون مصعبُ -رضي الله عنه- كذلك فهذا خير دليل على أن التربية الجادة قادرة على أن تنقل الرجال مراحل أقوى مما قد نظن.

4 -ضريبة التربية الجماعية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت