الصفحة 51 من 112

والمرجحات كثيرة، لأن ما يحصل به تغليب ظن على ظنٍ آخر كثير جدًا ولا ينحصر.

مثال ذلك: حديث أسامة رضي الله عنه: (إنما الربا في النسيئة) رواه مسلم. فهذا كالصريح في نفي ربا الفضل، وورد في حديث أبي سعيد رضي الله عنه:"الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء"رواه مسلم.

من طرق درء هذا التعارض: ترجيح حديث أبي سعيد رضي الله عنه لأن حديث أسامة رواية صحابي واحد، وأحاديث منع ربا الفضل عن جماعة من الصحابة، ورواية الجماعة من العدول أقوى وأثبت من رواية الواحد، والترجيح هو أحد طرق درء التعارض بين الحديثين.

ومن أمثلة ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم:"من مس ذكره فلا يصلّ حتى يتوضأ"، وحديث قيس بن طلق بن علي عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل يمس ذكره أعليه وضوء ظ قال:"لا، إنما هو بضعةٌ منك"، فمن قال بالترجيح رجح الأول لوجوه:

الوجه الأول: أن العمل به أحوط.

الوجه الثاني: لأنه أكثر طرقًا ومصححيه أكثر.

الوجه الثالث: لأنه ناقل عن البراءة الأصلية وهي عدم إيجاب الوضوء والناقل يقدم على المبقي، لأن مع الناقل زيادة علم، حيث أفاد حكمًا شرعيًا ليس موجودًا عند المبقي على الأصل.

فائدة:

اعلم أنه لا يمكن التعارض بين النصوص على وجه لا يمكن فيه الجمع ولا النسخ ولا الترجيح، لأن الأدلة لا تتناقض، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ وبيّن، ولكن قد يقع ذلك بحسب نظر المجتهد، إما لنقص في علمه، أو خلل في فهمه، وعلى هذا فأقل أحوال درء التعارض هو الترجيح، والقول بأنه قد لا يمكن الترجيح، وحينئذٍ يتوقف المجتهد فيه نظر ظاهر، فإنه لا بد من الترجيح إما عن طريق الإسناد أو عن طريق المتن، وهي وجوه كثيرة، ولن يعدم المجتهد وجهًا واحدًا يدرء التعارض.

(قال: ولهذا إذا تعارض قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله: قُدِّم قوله، لأنه أمرٌ أو نهيٌ للأمة، وحُمل فعله على الخصوصية له، فخصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - تبنى على هذا الأصل) .

شرع المؤلف رحمه الله في حكم تعارض قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله وموضوع تعارض القول والفعل اهتم به

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت