الصفحة 52 من 112

الأصوليون، بل أفرد في مصنفات مستقلة ومن ذلك كتاب"تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال"للحافظ العلائي.

فإذا تعارض قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله قدم قوله، لأنه خطاب للأمة وحمل فعله على الخصوصية له، وهذا ما قرره الشيخ رحمه الله وقال به بعض الأصوليين.

وفيه نظر لأمرين:

الأول: أن حمل الفعل على الخصوصية يحتاج إلى دليل، لأن الأصل عدمها، كما سيأتي - إن شاء الله -، ويؤيد ذلك أنه جاء بعض الأفعال المعارضة للقول، ولا يصح حملها على الخصوصية كما سترى.

الثاني: أن الحكم بالخصوصية يفضي إلى ترك العمل بشطر السنة، وهي السنة الفعلية.

والأظهر في هذه المسألة: أنه إذا تعارض القول والفعل وقام دليل على أن الفعل خاص به - صلى الله عليه وسلم - حكم بها، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال فقال رجلٌ من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل؟ قال:"وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني"رواه البخاري ومسلم.

فهذا دليل واضح على أنه لا تعارض بين وصاله ونهيه عن الوصال، لأن الوصال مختص به، على أحد الأقوال.

فإن لم يوجد دليل الخصوصية لم يحكم بها، لأن الأصل التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ومشاركة الأمة له في الأحكام إلا ما دل الدليل على تخصيصه به، ولا ريب أن الأصل في التشريع وخطاب الأمة هو القول ولا يتطرق إليه في الاحتمالات ما يتطرق للفعل، لكن إذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمر وفعل خلافه، أو نهى عن شيء وفعله فإما أن يكون الفعل مخصصًا للقول، أو محمولًا على بيان الجواز، أو أنه ناسخٌ للقول إلى غير ذلك مما تتم معرفته باستقراء مواضع التعارض والنظر في الأدلة، والقرائن التي يستفاد منها في تحديد المراد.

ومن أمثلة ذلك:

ما روى أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك - رضي الله عنه -"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زجر عن الشرب قائمًا"، وفي لفظ:"نهى أن يشرب الرجل قائمًا"رواه مسلم.

وفي حديث النزال بن سبرة قال:"أتي علي رضي الله على باب الرحبة بماءٍ فشرب قائمًا، فقال: إن ناسًا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل كما رأيتموني فعلت"رواه البخاري.

فنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الشرب قائمًا وشربه قائمًا بينهما تعارض في الظاهر، ولا يمكن حمل الفعل على الخصوصية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت