فهرس الكتاب
لفعل علي رضي الله عنه، والظاهر أن النهي محمول على التنزيه، وشربه قائمًا لبيان الجواز، ولا يكون مكروهًا في حقه أصلًا، ويؤيد ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنه قال:"سقيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من زمزم فشرب وهو قائم"رواه البخاري.
ومن الأمثلة أيضًا: حديث أبي هريرة وعائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"توضئوا مما مست النار"رواه مسلم.
وقد عارض ذلك ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه - صلى الله عليه وسلم:"أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ"رواه مسلم.
وقال جابر رضي الله عنه:"كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار"أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد وهو حديث صحيح.
فذهب بعض الصحابة ومنهم الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم والأئمة الأربعة رحمهم الله إلى أنه لا يجب الوضوء مما مست النار، لأنه لا يتعارض الفعل والقول، ولما كان الفعل متأخرًا صار ناسخًا للقول، لأنه يشمل النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأن المخاطب يدخل في عموم خطابه على الراجح ما لم يرد دليل على خلافه، فالقول بالنسخ هنا قوي.
وقوله: (فخصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - تبنى على هذا الأصل) .
ظاهره أن التعارض بين قوله - صلى الله عليه وسلم - وفعله هو الطريق الوحيد لمعرفة الخصائص النبوية، ولعل هذا غير مراد، فإن كثيرًا من الخصائص مجرد عن التعارض، بل إن من الخصائص ما ثبت بالنص، كقوله تعالى عن النكاح بلفظ الهبة: {خالصة لك من دون المؤمنين} وكما تقدم في الوصال وغير ذلك مما هو مقرر في محله.
(قال: وكذلك إذا فعل شيئًا على وجه العبادة ولم يأمر به فالصحيح أنه للاستحباب، وإن فعله على وجه العادة، دل على الإباحة وما أقره النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأقوال والأفعال حكم عليه بالإباحة أو غيرها على الوجه الذي أقره) .
تقدم أن السنة قول وفعل وتقرير، وقد انتهى الكلام على القول، وأشار هنا إلى الفعل، وأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه الطاعة والقربة والعبادة، فالراجح أنه مستحب، فنفعل مثل فعله، وهي غير خارجة عن الواجب والمندوب، والقدر المشترك بينهما ترجيح الفعل على الترك، وهذه حقيقة المندوب، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه التعبد فهو عبادة، يشرع"