فهرس الكتاب
الدليل الرابع: القياس
(قال: وأما القياس الصحيح: فهو إلحاق فرع بأصل لعلة تجمع بينهما. فمتى نص الشارع على مسألةٍ، ووصفها بوصف، أو استنبط العلماء أنه شرعها لذلك الوصف، ثم وُجد ذلك الوصف في مسألة أخرى لم ينصّ الشارع على عينها، من غير فرق بينها وبين المنصوص: وجب إلحاقها بها في حكمها، لأن الشارع حكيم لا يفرق بين المتماثلات في أوصافها، كما لا يجمع بين المختلفات.
وهذا القياس الصحيح: هو الذي أنزله الله، وهو متضمنٌ للعدل، وما يعرف به العدل.
والقياس إنما يعدل إليه وحده إذا فُقد النص، فهو أصل يرجع إليه إذا تعذر غيره، وهو مؤيد للنص، فجميع ما نص الشارع على حكمه فهو مرافق للقياس لا مخالف له).
القياس هو: أحد الأدلة الشرعية الأربعة المتفق عليها بين الأئمة الأربعة، وخالف في ذلك الظاهرية.
واستدل الجمهور على أن القياس دليل شرعي بأدلة من ذلك:
قول الله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار) فقالوا: بأن الله عز وجل أمر بالاعتبار والنظر والتفكر، ففي هذا إثبات القياس، فالاعتبار: تمثيل الشيء بغيره، ومن ذلك: قول الله: فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم} فالله سبحانه وتعالى أقام مثل الشيء مقام الشيء، ولهذا الصحابة رضي الله عنهم حكموا بأن النعامة إذا قتلها المحرم فيها بدنة، ومن ذلك: حديث أبي ذر رضي الله عنه وفيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر"رواه مسلم.
أيضًا: إجماع الصحابة على إثبات القياس من ذلك: قول الصحابة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه:"رضيه الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا". وقول علي رضي الله عنه:"اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد ألا يُبعن كالحرائر، أما الآن فقد رأيت بيعهن كالإمي".
والظاهرية الذين قالوا: بعدم إثبات القياس: استدلوا على ذلك بأدلة من ذلك:
قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} ، وقوله تعالى: {إنا نزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء} ، وقوله تعالى: {ما فطرنا في الكتاب من شيء} ، وقالوا: بأن الشريعة جاءت بالتفريق بين المتماثلات فمن ذلك: أن الثوب يغسل من بول الجارية ولا يغسل من بول الصبي، وقالوا: بأن السارق تقطع يده، والغاصب يقطع .. وهذه الأدلة كلها فيها نظر.