فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 212

قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتى". فلما بَعُدَ النقل من لدن دولة الراشدين فيما بعد. احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية، وتقييد الحديث مخافة ضياعه. ثم احتيج إلى معرفة الأسانيد وتعديل الناقلين أو تجريحهم للتمييز بين الصحيح من الأسانيد وما دونه. ثم كثر استخراج أحكام الوقعات من الكتاب والسُنَّة. وصارت العلوم الشرعية كلها ملكات في الاستنباط والاستخراج والتنظير والقياس. واحتاجت إلى علوم أخرى، هى وسائل لها مثل معرفة قوانين العربية وقوانين الاستنباط والقياس، والذب عن العقائد الإيمانية بالأدلة لكثرة البدع والإلحاد. فصارت هذه العلوم كلها علوما ذات ملكات محتاجة إلى التعليم، فاندرجت في جملة الصنائع... وأما العلوم العقلية (الفلسفية) فلم تظهر في الملة إلا بعد أن تميَّز حملة العلم ومؤلفوه، واستقر العلم كله صناعة". وربما يقال: إن الذى استحدث في الجماعة الإسلامية على هذا النحو ليس فكرا إسلاميا، بل هو نقل ومأخذ من الكتاب والسُنَّة، والعلم الذى يمثله هو ـ لذلك ـ علم نقلى، وليس علما قام على إعمال الفكر. ولكن الأمر ليس كذلك. فنحن لم نرد من الفكر الإسلامى فكرا إنسانيا خالصا، وإنما أردناه مقرونا بهذا الوصف"الإسلامى". وهو لذلك لابد أن يتضمن نقلا إسلاميا، وفكرا إنسانيا مصاحبا له. وما يُسمى بالعلوم النقلية لم يقصد به خلوه من الفكر الناشط والتفكير الإنسانى، وإنما قصد به ـ فحسب ـ عدم إطلاق الفكر. ويوضح ذلك ابن خلدون في مقدمته؟"اعلم أن العلوم التى يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار، تحصيلا وتعليقا، هى على صنفين: ص _118

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت