فهرس الكتاب
وقد يسرع إلى تكذيب حديث يقال له، لا شىء، إلا لأنه لم يرقه، أو لم يفقهه. وتكذيب السُّنَّة على طول الخط احتجاجا بأن القرآن حوى كل شىء بدعة جسيمة الخطر. فإن الله عز وجل ترك لرسوله السنن العملية يبينها ويوضحها. وقد ثبتت هذه بالتواتر الذى ثبت به القرآن فكيف تُجحد؟ بل كيف تُجحد وحدها ويُعترف بالقرآن؟ وكيف نصلى ونصوم ونحج ونزكى ونقيم الحدود، وهذه كلها ما أدركت تفاصيلها إلا من السُّنَّة؟ وإن إنكار المتواتر من السنن العلمية خروج عن الإسلام وإنكار المروى من السنن الآحاد ـ لمحض الهوى ـ عصيان مخوف العاقبة... والواجب أن ندرس السُّنَّة دراسة حسنة، وأن ننتفع في ديننا بما ضمت من حكم آداب وعظات... وإن الولع بالتكذيب لا إنصاف فيه ولا رُشد. وقد تعقبت طائفة من منكرى السنن فلم أر لدى أكثرهم شيئا يستحق الاحترام العلمى. قالوا: إن السلف اهتموا بالأسانيد وحبسوا نشاطهم في وزن رجالها، ولم يهتموا بالمتون، أو يصرفوا جهدا مذكورا في تمحيصها.. وهذا خطأ. فإن الاهتمام بالسند لم يقصد لذاته وإنما قُصد منه الحكم على المتن نفسه. ثم إن صحة الحديث لا تجئ من عدالة رواته فحسب، بل تجئ أيضا من انسجامه مع ما ثبت يقينا من حقائق الدين الأخرى، فأى شذوذ فيه، أو علة قادحة يخرجه من نطاق الحديث الصحيح... على أن اتهام حديث ما بالبطلان مع وجود سند صحيح له، لا يجوز أن يدور مع الهوى ، بل ينبغى أن يخضع لقواعد فنية محترمة. هذا ما التزمه الأئمة الأولون، وما نرى نحن ضرورة التزامه. ذكر بعضهم حديث:"الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام". ص _036