فهرس الكتاب
فقال: إن الواقع يكذبه، وإن صححه البخارى. ويظهر أنه فهم من"كل داء"سائر العلل التى يُصاب الناس بها. وهذا فهم باطل، ولو كان ذلك مراد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان هناك موضع للأحاديث الكثيرة الأخرى التى تصف أدوية أخرى لعلل شتى. والواقع"أن كل داء"لا تعنى إلا بعض أمراض البرد، فهى مثل قول القرآن الكريم في وصف الريح التى أرسلت على"عاد": (تدمر كل شىء بأمر ربها) (1) ، فـ"كل شىء"هو ما عمرت به مساكن القبيلة الظالمة فحسب. وهذا الحديث، ولو أن مسلما مات دون أن يعلم به ما نقص إيمانه ذرة. إن أبا بكر وعمر كليهما، لم يعلما بالحديث الصحيح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذى قال فيه:"أمرت أن أقاتل الناس (يعنى وثنى الجزيرة) حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دمائهم وأموالهم بحق الإسلام وحسابهم على الله". فإن الحديث الذى حفظاه ليس فيه:"إقام الصلاة وإيتاء الزكاة". ولو علم عمر بهذا النص الزائد ما اعترض على أبى بكر في قتاله مانعى الزكاة. ولو علم به أبو بكر ما استدل على رأيه بالقياس والاستنباط. ولكن فقه الشيخين في الكتاب العزيز، وحسن استفادتهما مما يعلمان من سُّنَّة أغنى وكفى.. ولم يضرهما ما يجهلان من روايات أخرى. بيدَ أن الطعن ـ هكذا خبط عشواء ـ في الأسانيد والمتون كما يصنع البعض ليس القصد منه إهدار حديث بعينه، بل إهدار السُّنَّة كلها، ووضع الأحكام التى جاءت عن طريقها في محل الريبة والازدراء. وهذا ـ فوق أنه غمط للحقيقة المجردة ـ يُعرضِّ الإسلام كله للضياع. إن دواوين السُّنَّة وثائق تاريخية من أحكم ما عرفت الدنيا. ويمكننا أن نقول: إن الكتب المقدسة لدى بعض الأمم ما تزيد في قيمتها التاريخية عن أحاديث دوَّنها علماؤنا وحكموا على طائفة منها بالضعف، وطائفة أخرى بالوضع!؟ ص _037