فهرس الكتاب
والسُّنَّة ـ لكثرة ما عرضت له من تفاصيل ـ تضمنت أحكاما كثيرة، والأحكام قيود توضع على تصرفات الناس، والقيد عندما يجىء في مكانه الذى يناسبه ويلائمه، لا يكون هناك معنى للتبرم به والإنكار عليه. إنما ينشأ الاعتراض من سوء استعمال هذه القيود لأنها ـ والحالة هذه ـ سوف توصد أبوابا يجب أن تفتح، وتضيِّق حدودا يجب أن تنفسح، وتحظر حركات يجب أن تأخذ مداها دون حرج. وأكثر الظلم الذى وقع على السُّنَّة أصابها من أن حديثا من الأحاديث قُدِّر له أن يعمل في نطاق معيَّن، فجاء بعض القاصرين وحرَّفه عن موضعه بالتعميم والإطلاق. ولعل التخوف على الإسلام من الغباء في فهم السُّنَّة هو سر ما رواه الحارث الأعور قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على علىٍّ رضى الله عنه فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: وقد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إنى قد سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:"ألا إنها ستكون فتنة"! فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال:"كتاب الله. فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الصراط المستقيم. هو الذى لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضى عجائبه. هو الذى لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: (إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد) من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدىَّ إلى صراط مستقيم". خذها إليك يا أعور. وقد وّهن العلماء راوى الحديث ـ الحارث الأعور ـ ولكن متنه تضمن حقائق ثمينة. وعلىُّ رضى الله عنه لا ينكر السُّنَّة.. كيف؟ وأحكامه ومروياته التى تقوم عليها فوق الحصر. وإنما ينكر أن تتناولها الأذهان الكليلة فترد نهارها ليلا، كما ينكر