فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 212

بالتمرد على الحاكم أو الاستكانة له تحتاج إلى بصر حديد، والحقيقة تضيع دائما بين الإفراط والتفريط... وقد جاء في السُّنَّة المطهرة حشد من التعاليم ينظم معاملة الحاكم، ومتى يُخاصم ومتى يصادق . ص _039

والأحاديث الواردة في هذا الموضوع تحتاج إلى حسن التوجيه، وإلا فالجهل بها أفضل من السفه في إعمالها. هبكَ أعطيت خادمك جملة مفاتيح لحجرات البيت، فجاء عجلا يعالج الباب بأول مفتاح وقع في يده، فإذا استعصى عليه ذهب إلى باب آخر بمفتاح آخر لا يناسبه، ثم انتقل عنه إلى باب آخر أعمل فيه مفتاحا ليس له كذلك. إنه يعود إليك آخر الأمر ولم ينفتح في وجهه باب. وربما قال لك: إن هذه المفاتيح غلط!! والمفاتيح لا غلط فيها، إنما الغلط في طريقة استعمالها، فإذا وقعت في يد الخبير وضع كل مفتاح في مكانه العتيد، وأداره بيسر، ففتح له. كذلك الحديث الصحيح في وضعه الصحيح. إن الحاكم والسوقة سواء أمام حدود الله، وليس يُباح لأحدهما ما يُحرم على الآخر. والحاكم الذى يخون أمانة منصبه عاص لله يقينا، والتخلص منه أجدر بدين الله ودين الناس معًا. فإذا أمكن إقصاؤه بمغارم خفيفة، فالنكول عن ذلك جريمة، وإلا فإن تغيير المنكر إذا أدى إلى مفسدة أشد فإبقائه أولى. ويمكن ترتيب الأحاديث الواردة على هذا النحو. ودفع ما بينها من تعارض في الظاهر. فليست مهانة الحاكم الجائر مباحة في كل وقت، ولا مهاجمته- لطرده من منصبه- مقبولة النتائج في كل حين... ومن العلماء من اعتمد على روح الإسلام العامة، وعلى تعاليمه الكثيرة في محاربة الظلم ومقاومة الغاشمين. فرفض أحاديث المهادنة، أو ادعى أنها منسوخة، وأوجب على المسلم ألا يستكين لبغى، وأن يعالج الحاكم إذا ألَمَّ بمعصية حتى يحجزه عن مساخط الله مهما تجشم في ذلك. ونحن نسوق كلام ابن حزم في تصوير هذا الرأى ودفاعه عنه، معلقين عليه بما نراه أدنى إلى الحق، في أحكام الإسلام... ص _040

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت