فهرس الكتاب
والمبتدع في الدين يعطى نفسه منزلة ليست له. فإن المشرع الفرد لعباده جميعًا، هو الله عز وجل. فكيف يجىء أحد- مهما كانت نيِّته ومنزلته- ليضم إلى أحكام الله أحكامًا من عند نفسه. ويقول: هذا حسن ينبغى فعله ويقبح تركه في أمر ما أنزله الله ولا استته نبيه!؟ (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم) . إن هذه النزعة إلى الألوهية يعدو بها الإنسان قدره ويجاوز حده. ولذلك اعتبر الرضا بها والسير معها اختلاف أرباب مع الله، يحلون ما حرم ويحرمون ما أحل. روى الثعلبى عن عدى بن حاتم قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى عنقى صليب من ذهب، قال: يا عدى.. اطرح عنك هذا الوثن. وسمعته يقرأ في سورة براءة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) . فقلت: يا رسول الله.. لم يكونوا يعبدونهم! فقال:"أليس يحرمون ما أحل الله فيحرمونه، ويحلون ما حرم الله فيستحلونه"؟ فقلت: بلى. قال:"ذلك عبادتهم". قال الألوسى: والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة، الذين تركوا كتاب الله وسُّنَّة نبيه لكلام علمائهم ورؤسائهم. والحق أحق بالاتباع، فمتى ظهر وجب على المسلم اتباعه.. ولا شك أن التزيد على الدين ميل مع الهوى، وأن ترك الاتباع الدقيق جور عن الطريق: ( فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون) . والذين يختلقون هذه المحدثات يحملون وزر ضلالهم الخاص، وتضليل الذين ينخدعون بهم ويستجيبون لهم. وفى الحديث:"من سنَّ سُنَّة سيئة كان عليه وزرها ووزر مَن عمل بها". ص _069