فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 212

أخرج أبو داود أن رجلا أرسل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر فكتب إليه:"أما بعد، أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سُنَّة نبيه، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سُنَّته وكفوا مؤنته. فعليك بلزوم السُنَّة فهى لك- بإذن الله- عصمة. ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها. فإن السُنَّة إنما سَنَّها مَن قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق (يعنى التقعر) . فارض لنفسك ما رضى به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر قد كفوا... ولهم- على كشف الأمور- كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى"... وهؤلاء الذين عناهم عمر بن عبد العزيز، هم صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المستمسكون بهديه، المقتفون أثره دون ميل أو جور. ويوجد عند بعض الناس شغف بالابتكار والتجديد. وهذا أمر يقره الإسلام ويحتفى به. بيد أن ملكة الاختراع لها ميدان تستطيع الانطلاق فيه ولا حجر عليها، لديها شئون الدنيا وآفاق الحياة تعالجها، وتفترض فيها، وتبتدع ما شاءت. وقد استغل الأجانب ملكاتهم في هذه الأنحاء، فأجادوا وأفادوا. أما نحن فبدل أن نجمد على شئون الدين ونخترع في شئون الدنيا، قلبنا الآية، فاخترعنا في شئون الدين ما لا معنى له، وجمدنا في شئون الدنيا. فطار الناس بين الأرض والسماء وما زلنا ندب على الثرى ماذا لو اتبعنا فيما أنزل الله، وابتدعنا فيما وكل إلى عقولنا وجهودنا أليس ذلك أرعى لديننا وأجدى على حياتنا لا يجوز إذن لامرئ- مهما رسخ علمه ونضجت تجربته- أن يستحسن عملا من الأعمال فيضفى عليه طابع الدين، ويروجه بين الناس على أنه من عند رب العالمين، ويوهم الأغرار بأن فعله مثوبة وتركه تقصير. ص _071

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت