فهرس الكتاب
ومن المتيقن أن ابن مسعود لا يقصد بهذه الكلمة إعطاء الأمة حق الزيادة في كتابها أو النقص منه. بل إن ابن مسعود- عليه الرضوان- كان أشد الصحابة حساسية بمسارب الهوى في السلوك العام. ولذلك وقف للبدع بالمرصاد، يطارد منها ما هان وما جل، ويسارع إلى المحدثات وهى وليدة- لما تشتد- فيقتلها في مهدها. فمن السخف تصيد كلمته هذه للاستدلال بها على جواز الابتداع في الدين. ولعل المراد منها تزكية ما ينعقد عليه إجماع الصحابة ومتبعيهم بإحسان على رجاء أن الحق المقبول عند الله لن يفوت عامتهم. أو المراد بها ما يخدم به الإسلام، وتحقق به غاياته الكبرى من رسائل لم توضع لها في الشريعة ضوابط معينة. أو لعله يعنى الشئون العادية التى لا نظر- من ناحية الدين- إلا إلى النيات التى تلابسها. * * * إن قبول الزيادة في الدين- بدعوى أنها حسنة- كقبول الحذف من تعاليمه بدعوى أنها رديئة، أو غير مسايرة للتطور، وكلا الأمرين ضلالة. فما يقبل من أحد أن يهدر شيئا شرعه الله، كما لا يُقبل من أحد أن يشرع شيئا سكت الله عنه. وفى الحديث:"إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها". قال مالك بن أنس: مَن استحسن بدعة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة. وقال الشافعى: لو رأيت صاحب بدعة يمشى على الهواء ما قبلته. قال: مَن حسَّن فقد شرع . وقال: ما حدث- مخالفا كتابا أو سُنَّة أو أثرا أو إجماعًا- فهو بدعة ضلالة. وقال وكيع: لأن أزنى أخف علىَّ من أسأل مبتدعا.. ص _073