فهرس الكتاب
وذلك أن الأديان لم تعجز عن أداء رسالتها بسبب عصيان الناس لها، قدر ما عجزت عن ذلك بسبب العبث في نصوصها، والميل بها مع الهوى، ودس الأباطيل عليها، ليعتنقها الناس عن غرور وغفلة. وقد صان الله القرآن الكريم، فلم يلحقه تحريف أو تبديل. وصان السُنَّة فقيَّض لها من النُّقاد الخلصاء، من رد عنها المفتريات، وباعد عنها كيد الوضاعين. وصان الإسلام كله، إذ نَصَب له في كل جيل حراسًا يحمون حقيقته من الخرافة، ومعدنه النقى من الأخلاط الدخيلة. وقد بادت ديانات قديمة، إذ حرفت الأهواء أصولها، وأبقت منها ما يحمل اسمها، ولا يمتُّ إليها بصلة.. أما الإسلام. فمهما شاعت البدع في أمته، فإن الكشف عن سوآتها يلاحقها من العلماء الراسخين. وبذلك يتمحض الحق، وينقمع الباطل. فلو قدِّرت لهذا الباطل حياة فإنه يحيا مغموصًا مزريا عليه. ولقد رأى الأئمة أن واجبهم الأول تمسيك الناس بحقائق الإسلام مجردة، كما وردت عن مبلغها الأول صلوات الله وسلامه عليه. قال ابن مسعود: عليكم بالعلم قبل أن يقبض. وقبضه أن يذهب بأصحابه، عليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدرى متى يفتقر إلى ما عنده؟ إنكم ستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطع، وإياكم والتعمق. وعليكم بالعتيق (1) . وقال عمرو بن يحيى: سمعت أبى يحدِّث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد. فجاءنا أبو موسى الأشعرى فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج . ص _074