فهرس الكتاب
فلما خرج قمنا إليه جميعا. فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إنى رأيت في المسجد آنفا أمرًا نكرته! ولم أر- والحمد لله- إلا خيرا.. قال: فما هو؟ قال: إن عشمت فستراه!! قال: رأيتُ في المسجد قومًا حلقًا جلوسا ينتظرون الصلاة. في كل حلقة رجل. وفى أيديهم حصى. فيقول: كبِّروا مائة… فيكبِّرون مائة. فيقول: هللوا مائة! فيهللون مائة! ويقول: سبِّحوا مائة، فيسبِّحون مائة. قال: فماذا قلَت لهم؟ قال!: ما قلتُ لهم شيئا انتظار رأيك وانتظار أمرك!! قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم؟ وضمنت لهم ألا يضيع من حسناتهم شىء؟ ثم مضى ومضينا معه.. حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فتوقف عليها. فقال: ما هذا الذى أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا الرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شىء. ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع ما هلكتكم، صحابة نبيكم متوفرون، وهذه ثيابه لم تُبْل، وآنيته لم تُكسر، والذى نفسى بيده: إنكم لعلى ملِّة هى أهدى من ملِّة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة قالوا: والله- يا أبا عبد الرحمن- ما أردنا إلا الخير! قال: وكم من مريد للخير لم يصبه؟! إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حدثنا أن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله ما أدرى لعل أكثرهم منكم. ثم تولى عنهم... فقال عمرو بن سلمة: رأيت عامة أولئك الحلق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج!. وقال عبد الله بن مسعود أيضا: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم. * * * إن عبد الله كره هذه الزيادات التى لم يألفها على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ورمق في صورها المحدثة ما رابه. رمق فيها بذرة الغلو التى نمت في نفوس هؤلاء المتقعرين في ذكر الله حتى تأدت بهم إلى التطرف في الحكم، واتهام المؤمنين بالكفر. ص _075