فهرس الكتاب
"البديع"لأنه اخترع هذا العالم الفخم الضخم غير مسبوق إليه بشىء يشبهه: (بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) . والذى يخترع شيئا ما ـ يجعله دينا ـ يجب أن يسبك خديعته ببطلان، يخيل للرائى أن باطله حق. ومن ثم فهو يحرص على مضاهاة الشريعة في المظهر. وإن خالفها في الجوهر. وما أشبه مروجى البدع بمزيفى النقود. إن عصابات التزييف تجتهد ـ إذا زوَّرت أوراقا مالية ـ أن تضفى عليها من الألوان والتقاسيم، ما يجعلها قريبة من الأصل، حتى تنطلى على السذج. وعندما تزيف الدراهم أو الدنانير لا ترى حرجا من استجلاب قدر من المعدن النفيس، إلى أقدار من المعادن الدنيئة، ثم تصوغ خلطها في الأشكال والنقوش التى تضاهى النقد الصحيح، حتى يلبس به المزيف ويروج. وقد كان أئمة الإسلام الأولون حراصا على تتبع البدع ومصادرتها، حرص الحكومات المعاصرة على إتلاف النقد المزيف، وعقاب المجرمين الذين يصنعونه وينشرونه. وسنادهم في هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وقوله كذلك:"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". وكلا الحديثين حرب على البدع: الأول على اختراعها، والآخر على إقرارها ومتابعتها. ولو أن المحدثات في دين الله لاقت عُشر المقاومة التى يلقاها تزييف النقد لبقى جوهر الإسلام نقيا زكيا، يرغب فيه ويستمسك به. ولكن المؤسف أن الناس أهمهم أمر معاشهم، فصانوه جهدهم مما يعكره. أما شأن الدين فكان أنزل قدرا مما ينبغى له، فراجت البدع، وكاد الحق يذوب خلالها ويتلاشى... وحرص أعداء الإسلام على التمكين لهذه البدع وإظهارها للأعين الجاهلة كأنها الدين كله. ومن ثم تنصرف عنه الأذواق السليمة والفطر الخالصة. وإنك لتلمح الشر المبيَّت للإسلام وأهله، مما نشرته صحيفة"التيمس"أخيرا، إذ قالت- تحت عنوان"الاستعمار والإسلام":"يتقدم الإسلام بخطى سريعة، في غرب ص _077"