فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 212

إن البدعة ـ على التعريف الذى شرحنا ـ لا صلة لها بشئون الدنيا، ولا مكان لإقحامها فيما يجب على البشر إحسانه وتجديده، من أحوال الحياة ووجوه المعايش المتكاثرة، كما أن البدعة شىء آخر غير المعصية... المعصية مخالفة نص أو تعطيل قاعدة، مع بقاء كليهما قائما واضحا على ما جاءت به الشريعة المحكمة. أما البدعة فهى إفساد للنص والقاعدة جميعا. إذ هى خروج بالخطاب الإلهى عن حقيقته العليا، بإشرابه نوازع الهوى وإمالته عن الصراط السوى. والعاصى يخالف أمر الله، وهو يدرى ما أمر الله! وقد يتقرب إليه عاجلا أو آجلا. أما المبتدع فقد اضطربت في ذهنه معانى الدين فهو يتقرب إلى الله بما لم يشرع، وقد ينفذ له ما لم يفرضه ولم يأذن به. وربما تحولت المعصية إلى بدعة إذا جعلت دينا! فإن التأكل بالقرآن حرام، لمخالفته قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لا تأكلوا به". فإذا جعل ذلك دينا واستؤجر القراء لتشييع الموتى، قربى به إلى الله فذلك إثم مركب من عصيان وابتداع!! ويرى بعض العلماء أن البدعة كل ما جَدَّ بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مخالفات ومحدثات. سواء في المعاصى التى نَفَّر منها الشارع، أو المخترعات التى لفقها الجُهال والمغرضون، لتكون دينا وليست من الدين في شىء... وهذا الإطلاق بعيد عن الدقة... وأبعد منه من يجعل البدعة تسع كل المحدثات التى وقعت بعد رسول الله من عادات أو عبادات، في الخير أو الشر، ما يحمد منها وما يعاب... والتعريف الأول ارتضاه الإمام الشاطبى. ودرس ـ على ضوئه ـ المحدثات الذميمة دراسة أصلية جيدة، في كتابه"الاعتصام". ص _080

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت