فهرس الكتاب
فكذلك ههنا، ولذلك لما تعبدت الفلاسفة بعقولهم، ورفضوا الشرع أسخطوا الله عز وجل، وضلوا وأضلوا. هذا بخلاف حقوق المكلفين، فإنها أحكام سياسية شرعية، وضعت لمصالحهم، وهذه المصالح هى المعتبرة وعلى تحصيلها المعول". وفى هذا يقول"عز الدين بن عبد السلام"المصرى الشافعى:"ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد، حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها. وإن لم يكن فيها إجماع، ولا نص، ولا قياس خاص. فإن فهم الشرع يوجب ذلك". من هذه الأقوال تعلم أن الموقف من تشاريع العبادات، غير الموقف من تشاريع المعاملات. فالأولى تكفل الشارع بحقيقتها وصورها، وزمانها، ومكانها، وكمها، وكيفها، وأطلق وقيَّد وأجمل وفصل، عن حكمة عليا لا محل للاجتهاد فيها، وليس علينا إلا تلقيها بالقبول الصرف. ويجب أن تكون هذه العبادات ـ من عصر صاحب الرسالة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ـ نسقا واحدا لا خلاف بين الأولين والآخرين في الأخذ به والتقيد التام ببداياته ونهاياته... أما التشاريع الأخرى فمحورها الذى تدور عليه هو المصلحة العامة. والنصوص المحفوظة والقواعد المشروعة متظاهرة كلها على بلوغ هذه الغاية. والطرق التى تدرك بها هذه المصالح لا يمكن ضبطها على اختلاف الأجناس والأجيال. وقد يوصل للمصلحة الواحدة من طرق مختلفة، فتعد مشروعة كلها. وكون المعاملات كلها مبنية على المصالح المعقولة، لا يغض من شأن النصوص التى تعرضت لأصولها أو فروعها. فهذه النصوص أشبه بالدعائم المثبتة في الأرض، على أبعاد شتى، يصل المرء ص _082"