فهرس الكتاب
وأطلق عليها البعض"المصالح المرسلة"كما أسلفنا. والعنوان لا يهمنا، وإنما يهمنا الموضوع. فإن مما لا يختلف عليه العقلاء: أن هناك مقاصد عامة للدين فُهمت من نصوصه وتوجيهاته الكثيرة.. وهذه الأهداف العامة الثابتة يمكن أن تخدمها وتوصل إليها وسائل حرة متجددة متغايرة. وما دامت الغايات المقصودة هى ما يراد قيامه، فإن السبيل المؤدية إليها لا تلزم صورة واحدة، ولسنا مكلفين بهذا الالتزام. أمر الله بالعدل والإحسان، وإيتاء ذى القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغى.. فما يؤدى إلى تقرير الفضائل الأولى، وتغيير الرذائل الأخيرة، فهو من الوسائل المتمشية مع التطور، الخاضعة لظروف الزمان والمكان، وليس من قبيل الابتداع ا لحرام.. ومن ثم نستطيع أن نقبل في نظام القضاء ـ مثلا ـ وضع"النيابة العامة"واعتبارها الأمينة على إقامة الدعوى، والحفيظة على حق المجتمع. وأن نقبل كذلك ترتيب المحاكم وتسلسلها على النحو القائم الآن، وإن كان ذلك غير معروف في الصدر الأول.. فإن إيجاد ضمانات كثيرة للفصل في خصومات الناس ـ فصلا يصيب الحق أو يقاربه ـ لا يدخل في نطاق الابتداع. إن الابتداع المحرم يعمل عمله المريب في دائرة التعبدات المحضة حيث لا مجال لفكر أو اجتهاد. أما دائرة المعاملات المرنة التى لم يرسم الشارع لها حدودا بينة يجب اتباعها، فإن الابتكار في أسباب الخير والفلاح، هو ـ في حقيقته ـ ضرب من العمل الداخل في القاعدة المعرفة"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". * حدود الاتباع: إذا تحرينا الدقة في التزام ما جاء به الشارع، وجب ألا نترك شيئا فعله أو نفعل شيئا تركه. فالسنة تتناول الإيجاب والسلب معا، أى أن هناك سننا فعلية وأخرى تركية. ص _086