فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 212

ومن الابتداع الذميم أن نتزيد على ما ورد، بإضافة جديد إليه، أو نملأ فراغا ـ لم يرد فيه شىء ـ فنتحرك من تلقاء أنفسنا حيث سكت الشارع... هذا وذاك ليسا من الإسلام، فالفاعل لما ترك الشارع، كالتارك لما فعل. قد أبنا آنفا أن الوسائل المتجددة بطبيعتها لا تدخل في هذا النطاق. فالحرب بالمدفع ليست ابتداعا، ولا تسمى فعلا لما ترك الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل هى من قبيل"ما لا يتم الواجب إلا به". إنما الكلام في المقاصد الثابتة، والطاعات المحددة. فإن ما تركه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع وجود المقتضى، وانتفاء المانع، فتركه سنة وفعله بدعة... والمسلمون اليوم تواضعوا على التجمع في أعقاب الوفيات، يستمعون إلى القرآن من بعض الحفظة في سرادقات تقام، وتقدم فيها الأشربة، وتتم فيها التعزية. ولا شك أن قصد الثواب وابتغاء الرحمة كانا موجودين في السلف الأول. ومع ذلك فلم يحدث مثل ما نرى بعد موت صحابى جليل، والموتى كثيرون وطلب الرحمة لهم قائم، وليس هنالك عائق من نصب خيمة، وسماع تلاوة، وتبادل عزاء. هذه العادة الشائعة بدعة، لأن الشارع لم يأذن بها، ولم يلجأ إليها مع وجود المقتضى وانتفاء المانع. ولو حسبنا ذلك تقصيرا في مرضاة الله، وفى تشييع الراحلين بما يعرضهم لرحمة الله، لكان ذلك ظن السوء بصاحب الرسالة وحوارييه الأقربين، وهيهات أن نكون مثلهم أوقريبا منهم. وربما قلت إن عمر رضى الله عنه جمع الناس على قارئ واحد في قيام رمضان، ولم يقع على عهد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، بل الثابت أن النبى عليه الصلاة والسلام رغب عن قيام الناس معه، وأنه لما أحس اقتداءهم به، أخفى عنهم صلاته. وهذا صحيح. ولكن السر في صنيع عمر، ذهاب التخوف الذى جعل الرسول يؤثر الانفراد بقيام الليل. فإنه صلوات الله وسلامه عليه، لما رأى حرص الأمة على الاقتداء به في التهجد والسهر، خشى أن يفرض عليها قيام الليل فتعجز عنه. ص _087

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت