فهرس الكتاب
وكرر القرآن الكريم ما حرمه من الأطعمة عدة مرات، وحاج فيها المشركين وأهل الكتاب الأولين.. وأطول آية في القرآن أنزلها في الدَّيْن وكتابته والإشهاد عليه. وقد اعتمد الأئمة في التشريع والتفريع لهذه الأمور العادية على النصوص الواردة، والقواعد العامة، باعتبار أن صيانة المصلحة هى الغاية منها في الجملة. وربما اتفق النظر المجرد مع الشرع الكريم في كثير من أحكام المعاملات الشائعة. وقد رأيت نصوصا في القانون المدنى القديم، عدلت في القانون الجديد إلى ما رآه الواضعون أدنى إلى المصلحة. فلاحظت أن المواد القديمة ترافق مذهب أحد الفقهاء المجتهدين، وأن الجديدة توافق مذهب مجتهد آخر.. وليس هناك من فارق إلا أن الفقهاء المسلمين ـ بدوافع من إيمانهم بالله وابتغائهم لرضاه، وفقههم في شريعته، وتحريهم نفع الناس بها ـ كانوا يُحكِّمون هذه الشئون العادية ويُوجِّهونها وفق تعاليم الإسلام. أما رجال القانون العام فإرضاء الله واحترام دينه ليسا في حسابهم... إن مزج العاديات بمعنى التدين، جزء من طبيعة ديننا كما رأيت. فهل يدخل الابتداع في العاديات كما يدخل في العباديات؟ قال الشاطبى ما معناه:"ثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادى شائبة التعبد. لأن ما لم يعقل معناه على التفصيل ـ من المأمور به أو المنهى عنه ـ فهو المراد بالتعبدى. وما عُقل معناه وعُرفت مصلحته أو مفسدته، فهو المراد بالعادى. فالطهارات والصلوات، والصيام والحج، كلها تعبديات. والبيع والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات كلها عاديات. لأن أحكامها معقولة المعنى، ثم لابد فيها من التعبد، إذ هى مقيدة بأمور شرعية. لا خيرة للمكلف فيها و سواء أكانت اقتضاء أم تخييرا. فإن التخيير في التعبديات إلزام، كما أن الاقتضاء إلزام. حسبما تقرر برهانه في كتاب"الموافقات". ص _097"