فهرس الكتاب
إذا كان الأمر كذلك فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد. فإن جاء الابتداع في الأمور العاديات من ذلك الوجه صح دخوله في العاديات كالعباديات. وإلا فلا... وهذ النكتة هى التى يدور عليها حكم الباب...". أى أن لشئون الحياة المعتادة ناحيتين: أولاهما: متجددة منطلقة تخضع للتطور والتغيير. وهذه لا يضع الإسلام لها قيودا، ولا يبالى فيها باتباع أو ابتداع. بل يصح أن يساق فيها النص المحفوظ:"أنتم أعلم بشئون دنياكم". وهذه الناحية ليست موضع بحثنا وقصارى ما نوصى به أن يقبل المسلم عليها وهو حاضر القلب حسن النية. فإن الرجل إذا كان صاحب مقل أعلى استفاد من كل شىء في تحقيق غايته. ولو أن المسلم أراد ـ بأى عمل يعالجه ـ مرضاة الله، لتحول كل شىء في يديه إلى عبادة، ولكان طعامه ومنامه وملاعبته زوجته عبادة، فضلا عن قيامه بأعباء وظيفته أن كان موظفا، وأعمال تجارته وزراعته إن كان تاجرا أو فلاحا. فإن هذه الشئون العادية البحتة يحيلها القصد النبيل إلى خلال برٍّ وخصال خير، كأنما هى صلاة وجهاد. ذلك مع بقائها في جوهرها حرة من القيود، لا تضبطها وسيلة معينة ولا صورة محدودة، بل ينقلها الاختراع والإجادة من حسن إلى أحسن.. أما أخراهما: فما يرسمه الشارع من حدود تضيق أو تتسع ـ حسبما يراه أدنى إلى الصالح العام ـ علينا أن نتقيد به، وأن نلتزم المأثور فيه. إن هذه الناحية النقلية يجب ألا نخالفها بمعصية، وألا نفسدها بابتداع. والدين لم يتدخل في المعاملات المعتادة، تجارية كانت، أو اجتماعية، أو جنائية، أو سياسية، لإعنات الناس. بل إن القدر الذى تدخل فيه هو لرفع العنت، وسد مسالك الشيطان، وحماية الجمهور من ميوعة التشريع الوضعى، وخضوعه في أحيان كثيرة للنزوات الخاصة. ص _098"