فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 212

وقد تقول: فما موضع الابتداع والحالة هذه؟ إن الناس يتزيدون في العادات وصورها الواردة، مبالغة منهم في التقرب من الله ـ على ما يزعمون ـ فكيف يبتدعون في الشئون العادية، ودور الشارع فيها تنظيم أمور مدنية بحتة؟ والجواب: إن الناس قد يبرزون بعض المصالح الخاصة. كأنها توصيات إلهية، ويجعلون من الإعانة فيها عبادة لله، حتى يضمنوا بقاءها باسم الله ، إذا لم يمكن إبقاؤها باسم المصلحة. خذ مثلا النظام الملكى في أمة من الأمم، إن حرص الملوك على بقائه يحملهم على حياطته باسم الله ورسوله. ومن ثم تورث قيادة الأمة كما تورث التركات. وتؤخذ لذلك بيعة تعتبر المسارعة فيها قربى إلى الله، والنكوص عنها هدفا للإسلام. ووراثة المناصب لا يقول بها دين. فكيف تكون قانونا من قوانينه !؟ هذا مثل للابتداع المحرم في الشئون العادية كما قرره العلماء. كذلك فرض الضرائب وإنفاذ حصيلتها في الأهواء الفردية بعد جمعها من الجمهور باعتبارها طاعة لله ورسوله وأولى الأمر. إن التخييل على العامة بأن ذلك دين يؤخذون به، كما يؤخذون بالتكاليف الشرعية الأخرى، هو الأساس في تسميته بدعة. فإذا سألت: ماذا يسمى لو لم يقع هذا التخييل الخادع؟ قلنا: ينظر إليه على ضوء ما ثبت من النصوص وتمهد من القواعد. فإن خالفها فهى معصية، وإلا فهو من الشئون العادية المتجددة التى لا دخل للدين فيها. وحينئذ نستطيع القول بأن فرض الضرائب للأهواء الخاصة، لون من السرقة أو الغصب، وفرضها لمصلحة الجمهور لا شىء فيه. ونستطيع أن نقول كذلك: إنه لو حلا لأمة أن تقيم نظام حكمها على أساس ملكى ص _099

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت