فهرس الكتاب
"لسنا نقول: إن الأكل على المائدة منهى عنه نهى كراهة أو تحريم، إذ لم يثبت فيه نهى. وما يقال إنه ابتدع بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فليس كل ما ابتدع منهيا عنه، بل المنهى عنه بدعة تضاد سُنَّة ثابتة، أو ترفع أمرا من الشرع مع بقاء عليه ! بل ابتداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب. ليس في المائدة إلا رفع الطعام عن الأرض لتيسير الأكل. ومثل ذلك لا كراهية فيه. وهذه الأربع التى جمعت على أنها بدعة ليست متساوية، فالأشنان حسن، لما فيه من النظافة، وهو من الغسل المستحب، بل الأشنان أتم في التنظيف. وكانوا لا يستعملونه لعدم اعتيادهم له، أو عدم تيسيره. وأما المناخل: فالمقصود منها تطييب الطعام، وهو مباح، ما لم ينته إلى التنعيم المفرط. وأما الشبع، فهو أشد هذه الأربعة، فهو يهيج الشهوات، ويحرك الأدواء في البدن". * * * والحق أن هذا الدفاع من أبى حامد معلول، وإن صحت الغاية. لأنه اعترف بوجهة النظر التى تسمى التجديد في العاديات ابتداعا، ثم وزنه بما ينشأ عنه من نتائج حسنة أو سيئة. ورأينا رفض هذه التسمية ابتداع ، فإن حد البدعة المفسدة لدين الله قد بيناه. ويرى أبو حامد: أن الأكل على الأرض أفضل من الأكل على المائدة، تأسيا برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذى لم يأكل على خوان. وعندى أن الحالتين سواء، وأن كلتيهما من قبيل العاديات التى لا تدخلها شائبة تعبد. وسبيل التقرب إلى الله بعيدة عن هذه الشئون جميعا. ولو كان في الآكل على المائدة ما يشين، لورد عنه نهى، ولو كان في الأكل على الأرض ما يطيب لجاء به أمر. وهنا نسأل: هل العاديات التى فعلها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعتبر دينا، يبر فاعلها ويأثم تاركها؟ إن للعلماء تفصيلا في هذا الأمر ينبغى أن نذكره. ص _102