فهرس الكتاب
وقال آخرون: بل يباح الفعل والترك. وأغرق من قال: يجب الفعل! وتوقف آخرون عن الحكم.. وعندى أن الحق ما ذهب إليه الآمدى في الأحكام، وأيده العدوى في رسالته الدقيقة عن السُنَّن والبدع من"أن محض الفعل لا يدل على أن الفعل قربة. بل يدل على أنه ليس بمحرم فقط". وأما كونه قربة على الخصوص. فذلك شىء آخر. فإن الصحابة رضوان الله عليهم- وهم أعلم الناس بالدين، وأحرص الناس على اتباع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كل ما يقرب إلى الله كانوا يشاهدون من النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفعالا، ولما لم يظهر لهم فيها قصد القربة لم يتخذوها دينا يتعبدون به، ويدعون الناس إليه، ولذلك أمثلة كثيرة: ا- أن النبى حينما كان مهاجرا إلى المدينة أخذ طريق الساحل، لأنه أبعد عن العدو. ولو كان مجرد الفعل يدل على القربة لاقتضى أن كل مسافر من مكة إلى المدينة يسن له أن يسلك طريق الساحل، وإن كان بعيدا! ولم يقل بذلك أحد من الصحابة، فدل ذلك على أنه ليس بسُنَّة من سُنن الدين. 2- أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ اختفى هو وصاحبه في الغار عن أعدائه المشركين، ومكث به أياما، يعبد الله حتى تمكن من السفر. ولو كان محض الفعل يفيد الندب، لذهبت الصحابة إلى ذلك الغار لتعبد الله فيه كما كان النبى يفعل. وحيث لم ينقل لنا أن أحدا من الصحابة كان يذهب إلى الغار ليتعبد فيه، علم أن العبادة في الغار- خاصة- ليست مقصودة، وأن الفعل المجرد لا يفيد القربة. 3- روى عن أنس رضى الله عنه قال:"كان لنعلى رسول الله قُبالان". (رواه الخمسة إلا مسلما) على هذا الوصف كان حذاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فهل يكون لبس هذا الصنف من الأحذية سنة من سنن الدين، من لم يلبسه يكون تاركا لسنة؟ أم أن هذا لا يقول به أحد..؟ ص _104