فهرس الكتاب
4-ثبت أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما عسكر في أقرب ماء إلى منطقة"بدر"جاءه الحباب ابن المنذر يقول: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال:"بل هو الرأى والحرب والمكيدة"!! فغيَّر الحباب المنزل إلى موقع أصوب، وقال النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ له:"لقد أشرت بالرأى"وعمل برأيه والقصة تشير إلى أن من أعمال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يقوم على الاجتهاد الخاص، ولا أثر للوحى فيه. ومثل هذه الأعمال لا يجب على المسلمين أن يتقيدوا بها، بل يديرون فيها الرأى، ويفعلون ما يرونه الحق. وقد أقر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ نفسه هذه الخطة وسار عليها". ولا شك أن إقحام الشئون العادية البحتة في نطاق الدين إضرار بدين الله ودنيا الناس جميعا. فأما أنه إضرار بالدين فلأنه يوسع دائرة العبادات التى يُتقرب بها توسعة مدارها الوهم المجرد. وافتراض معنى القربة فيما لا يتقرب إلى الله بمثله. والخبراء بالإسلام يعرفون أن ناحيتى البلاغ والبيان في سيرة النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشحونتان بما يزكى النفوس ويوقظ الهمم، وأن فيهما ما لا مجال معه لتزيد. بل أحسب أن التزيد- بالاتباع في العاديات- ليس إلا تغطية لقصور الرجل في القيام بالواجبات الأصيلة المنوطة به. فترى من أعياه اقتفاء أثر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تزكية النفس وجهاد العدو، يترك هذه السُنَّة المحكمة، ليجعل من محبة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للحلوى- مثلا- سُنَّة يترجم بها عن شديد حبه لرسوله الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتمسكه بآثاره !! ذلك مع هذه العاديات التى فعلها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، قد تكون خضوعا لمطالب البيئة التى يعيش فيها. أى أنها أفعال تعم المسلمين والمشركين من سكان المنطقة الحارة وحدها. ص _105"