أني لو لبيتُ النِّدا، وسقطت على [ص55] شرحه سقوط النَّدا، لقيلَ لي: ليس هذا بعشِّك فادرُجْ، [1] [24] وما النادي بِنادي أمثالك فاخرجْ، فَلْتُقِيلُوا، ولا تَقُولوا [2] [25] :
قَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ الْفَتَى وَلِبَاسُهُ
... ... خَلَقٌ وَجَيْبُ قَمِيصِهِ مَرْقوعُ
فما زادَهم تحذيري إلا إغراءً وإلحاحا، ورأَوا أحاديثَ اعتذاري ضعيفةً، وأحاديثَ سؤالهم صِحاحا، وتَمالأَ على التَّصميمِ سرُّهم ونَجواهُم، و"مَازَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ" [3] [26] . ولم يكن في عُذري لهم من مَقْنَع، وأحبّ شيءٍ إلى الإنسان ما امْتَنَع. فلما رأيتُ أنه لابُدَّ من صَنعا [4] [27] ، أجبتُهم وإن كنتُ لا أحسنُ صُنعا، ففوَّقتُ للشروعِ سَهم العَزْم، وأَطَرْتُ عن زنده شررَ الحَزْم، وأدخلتُ على مُعتلِّ التَّواني حرفَ الجَزْم. ونهضتُ وَأنا"أَحْيَرُ مِنْ ضَبٍّ" [5] [28] ، وأشغلُ مِن صَب. فرسمتُه في صحائفِ الوهمِ، وصَقلتُ لمناولتِه صَدأ الفَهم، وحُبَّبَ لي أن أجعلَه أَمَمًا: نزح عنهُ تقصيراتُ الشروحِ وإفراطُها، تمسُّكًا بقول المُصطفَى:"خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَطُهَا" [6] [29] . وجعلتُ الكلامَ على كلِّ بيتٍ محصرًا في
مَطالب:
(1) 24] - هذا مثل عربي أصله:"لَيْسَ هذا بِعُشِّكِ فادْرُجِي" (مجمع الأمثال 2/130) .
(2) 25] - ورد البيت في الموشى 159.
(3) 26] - اقتباس من سورة الأنبياء 21/15.
(4) 27] - اقتباس من الرجز:
لاَ بُدَّ مِنْ صَنْعَا وإنْ طَالَ السَّفَرْ
وَإنْ تَحَنَّى كُلَُ عَوْدٍ وَدَبِرْ
يوجد الشطر الأول منه في لسان العرب (صنع) .
(5) 28] - قال في مجمع الأمثال 1/ 237:"لأنه (أي الضب) إذا فارقَ جُحره لم يهتدِ للرجوع إليه".
(6) 29]- لم يرد هذا الحديث في المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، ولا في كتب الحديث التي تيسَّر الاطلاع عليها، ومنها الفائق للزمخشري. وفي الكامل 1/243:"ومن كلامهم: خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَطُهَا". وصنَّفه المحقق مع الأمثال.