أولها: تفسيرُ ألفاظه اللغويةِ، وقدمتُه لأن ذلك طريقٌ إلى تحصيلِ ما بعدَه.
[ص56]
ثانيها: رفعُ القناعِ عن معنى التركيبِ، وتنزيلُ المعاني على الألفاظِ، ونسقُ بعضِها ببعض، حتى تكونَ من حيث المعنَى كأنها سبيكةُ إبريز، تشهدُ لصائغِها بالتقدّم في الصناعةِ والتَّبْريز.
ثالثها: وشْيُ حُلَلِ البيتِ بسلكِ المَعاني ثم بجوهرِ البيانِ، ثم بيواقيتِ البديعِ، وهذا ألطفُ المطالبِ وأعلاهَا، وأغلاها، إذ هو مضمارُ ما يقعُ به التَّفاضُل، وينعقدُ بين الأماثِل في شأنِه التسابقُ و التَّناضُل.
رابعها: الإعرابُ، الذي هو سببٌ لفهم فَحوى الكلامِ وظهورِ لحنِ الخِطاب.
وربَّما أُلْمِعُ في خلالِ هذه المَطالبِ بما رأيتُ له مَماسةً بالمَقام، مما تُثيرُه المناسبةُ وتقتضِيه، وتميلُ إليه الفِطرُ السليمةُ وتَرتضيه، من النظمِ الجَزل، [في] الجد والهزل، ومستظرف الحكايات التي يحصُل بها للناظرِ الإمتاع، ولا يعدُّها من سَقَطِ المتاع المُبتاع. وقد قيل: إن الحكاياتِ عروسٌ، والمُتكلَّم ماشِطَتُها، والأخبارُ عُقودٌ، والأدبُ واسطتُها. وما كان في ظنِّي أن أذكرَ من تِلكَ المطالب، إلا مالا مَنْدُوحَةَ عَنْه للطاَّلب، فتشابكتِ المَسائل، وخرجَ الأمرُ كما قال القائل [1] [30] :
خَرَجْنَا عَلَى أَنَّ الْمَقَامَ ثَلاَثَة
... ... فَطَابَ لَنَا حَتَّى أَقَمْنَا بِهِ شَهْرَا.
[ص57]
(1) 30] - في الحاشية بخط المؤلف:"هذا البيت رأيتُه في منطق الطير غيرَ معزوٍ، ووقفت عليه في مقطعة ذكرها الشريشي في الكبير ونسبها للحسن، ولعله ابن هاني، إلا أنه قال:"حتى أقمنا بها عشرا".وكما توقع المؤلفُ فالبيتُ للحسن بن هانئ، أبي نواس، من قصيدةٍ خمرية في ديوانه 244، مطلعها:"
وَفِتْيَانِ صِدْقٍ قَدْ صَرَفْتُ مَطِيَهُمْ إِلَى بَيْتِ خَمَّارِ، نَزَلْنَا بِهِ ظُهْرَا