وبعد:
فإن لكلمة الحق في الإسلام مكانة رفيعة، وخصائص فريدة، كما أن لقولها مقصدًا نبيلًا، ومنهجًا قويمًا، وأسلوبًا حكيمًا، وضوابط ومعالم محددة، تجعلها متوازية شكلًا ومضمونًا.
وإن أي خلل في هذا التوازن، قد يجعل الحق باطلًا، والباطل حقًا، ومن هنا: كان قول كلمة الحق بمعالمه وضوابطه في كثير من المواطن، نوعًا من أنواع الجهاد الذي أمر به المؤمنون، والذي يطلق عليه أحيانًا اسم (جهاد الكلمة، وجهاد الدعوة، وجهاد اللسان) وما إلى ذلك.
وكثيرًا ما أساء إلى كلمة الحق أصناف ثلاثة من الناس:
صنف غفل عن أهميتها، أو خاف من بعض آثار قولها فسكت عنها، وصنف خرج بها عن ضوابطها، ومنهجها، وأسلوبها، فشوه من صورتها، وأفقدها عظيم أثرها، وصنف عبث بها، فألبس الحق بالباطل، واستخدمها في غير محلها، حتى قيل في مثل ذلك: (( كلمة حق أريد بها باطل ) )، وكل هؤلاء الأصناف الثلاثة أسهم في الإساءة إليها من جهة، وأضر بها وبأهلها من جهة أخرى.
لذا رأيت أن أولي قول كلمة الحق اهتمامًا خاصًا، فكتبت عن جهاد الكلمة، معرفًا به وبأشكاله، ومبينًا حكمه ومنهجه وضوابطه .. مستنيرًا في ذلك بهدي كتاب الله، وسنة رسوله، ومستفيدًا من وقائع الدعاة وتجاربهم في القديم والحديث، عسى أن تتجلى لكلمة الحق حقيقتها، ويتضح للناس منهجها وأسلوبها وضوابطها، ويكون الدعاة على بصيرة بها من جهة، ويقطفوا ثمار قولها سديدةً حكيمة من جهة أخرى، فيستحقوا ما وعد الله عز وجل قائلها من إصلاح الأعمال، وغفران الذنوب، ويكونوا من الطائعين الفائزين، قال تعالى:
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) ) [الأحزاب:71،70] .
تعريف كلمة الحق، وبيان أشكاله
تعريف كلمة الحق، وبيان أشكاله
تطلق كلمة الحق بمعناها العام، على ما يقابل كلمة الباطل، قال تعالى: (( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) ) [الأنبياء:18] .
وقال أيضًا: (( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ) [البقرة:42] .
والحق والحقيقة في اللغة: ما صح وثبت وصدق، والحق اسم من أسمائه تعالى، والثابت بلا شك، قال تعالى: (( إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) ) [الذاريات:23] . ويوصف به فيقال: قول حق"انظر (( المعجم الوسيط ) )مادة (حق) بتصرف (1/ 187) ".
ونظرًا لاتساع معاني كلمة الحق، وكثرة أشكالها، فإنها تطلق على معانٍ وأشكال عديدة منها:
1 -النصيحة، 2 - الدعوة إلى الخير، 3 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، 4 - بيان العلم والحكم الشرعي وعدم كتمانه، 5 - رد الشبهات المثارة حول الإسلام والمسلمين ودحضها، 6 - الاعتراف بالحق على النفس والإقرار به، 7 - الشهادة بالحق على الآخرين، 8 - الدفاع عن الأخ في ظهر الغيب، وفي حضرته ... إلى غير ذلك من أشكال تدخل في مصطلح (كلمة الحق) .
والذي يعنينا في هذا المقام من هذه الأشكال أكثر من غيره، الأشكال الثلاثة الأولى وهي: (النصيحة، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، إذ تكون هذه الأشكال الثلاثة مع بعضها قاسمًا مشتركًا يجعلها في أعلى مراتب كلمة الحق، وجهاد الكلمة من جهة، ولأنها تحتاج إلى مزيدٍ من بيان منهجها وتفصيل أحكامها وضوابطها من جهة أخرى.
ومن هنا: كان (( الدين النصيحة ) )"الحديث رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي. انظر: صحيح مسلم رقم (55) ، وسنن أبي داود رقم (4944) ، وسنن الترمذي رقم (1926) "،
وكان من خصائص الأمة المسلمة، أنها تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، قال تعالى: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ) [آل عمران:110] .
وقال أيضًا:
(( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) [آل عمران:104] .
لذا، سأكتفي في هذا البحث، بتعريف موجز لهذه الأشكال الثلاثة من أشكال كلمة الحق، فأقول:
أ-النصيحة:
تطلق النصيحة في اللغة على معانٍ عديدة منها:
الإخلاص، والصدق، والمشورة، والعمل ... ويأتي فعلها متعديًا بالألف، فيقال: نصحت لزيد -وهي اللغة الفصيحة- ويأتي متعديًا بنفسه، فيقال: (نصحته) .
والنصيحة في الاصطلاح: مأخوذة من مجموع تلك المعاني اللغوية، يقول الإمام الخطابي في (معالم السنن) :
(( النصيحة كلمة جامعة، معناها حيازة الحظ للمنصوح له ) )، قال: (( ويقال هو من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، وليس في كلام العرب كلمة مفردة، يستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة ... ) )، قال (( وقيل: النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه، إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له، بما يسده من خلل الثوب ) )، قال: (( وقيل مأخوذة من: نصحت العسل، إذا صفيته من