وعلى المستوى العام بقيت في أوربا إلى مطلع القرن العشرين بقايا من الأوضاع الاجتماعية الموروثة وشيء من القيم الشاحبة ( الأسرة ، الرابطة القومية ، احترام ظاهري للعهود والمواثيق ، نوع من الالتزام بالمبادئ الأخلاقية ) وهذه البقايا عصفت بها الرياح الهوجاء التي حملت دخان الحرب العالمية الأولى إلى أرجاء القارة ومنها إلى أطراف العالم الأخرى .
وأسفرت تلك الحرب - مما أسفرت عنه - عن انكسار حاد في نظرة الإنسانية إلى مصيرها وانقلبت الثقة والتفاؤل خيبة وتشاؤمًا ، وأفاق الإنسان الأوربي المخدر بنشوة التقدم المطلق على المدافع وهي تدمر مع القلاع والمدن أحلامه بيوتيبيا [1] علمية إنسانية لقد كان فصلًا جديدًا من مسرحية التاريخ الأوربي حيث اختفى مشهد"بروميثوس"وظهر مشهد"سيزيف" [2] .
في هذا الوضع الخانق تنادت الأصوات للعودة إلى شيء من المسلمات الثابتة والالتزامات الإنسانية وظهرت نقاط"ويلسون"الأربع عشرة ثم الالتفات حول شبح عصبة الأمم .
(1) اليوتوبيا = مصطلح فلسفي يقابل"المدنية الفاضلة"عند المتفلسفة الإسلاميين ، وهي تعبير عن أحلام وخيالات الفلاسفة المثاليين القانطين من صلاح البشرية والرافضين لهدى الله وشريعته كما أن متفلسفة رجال الدين مثل"أوغسطين"حلموا بمدنية تجسد خيالاتهم .
(2) بروميثوس الرمز الأسطوري للإنسان الذي سرق النار من الآلهة ! ( وهو ينطبق على أوربا في مرحلة النشوة بالانتصار على الكنيسة بواسطة العلم ) وسيزيف أسطورة إغريقية أخرى مضمونها أن الأرباب حكمت على سيزيف بأن يحمل صخرة إلى قمة الجبل وكلما وصل القمة تدحرجت ثم عاد ليحملها إليها مرة أخرى فتتدحرج من جديد وهكذا دواليك ، وقد جعلها ألبير كامو رمزًا لفلسفته العبثية !!