وكانت فترة مابين الحربين من أعظم الأحقاب في التاريخ الأوربي هيجانًا وصراعًا ولاسيما في الميدان الفكري حيث تضاربت الدعاوى والاتجاهات وظهرت مذاهب جديدة في كل فن ومعايير جديدة في كل علم ومجموعات اجتماعية غريبة.
وفي ظل هذا الهيجان نمت ظاهرة الشعر الإنجليزي الحر وتألق"إليوت" [1] أبرز شعراء الحداثة ، أما الشعر الفرنسي الحر فقد ظهر قبل ذلك بكثير .
وفي الجانب الآخر قفز العلم التجريبي قفزات هائلة كان من أعظمها ما سمي اكتشاف الذرة سنة 1938 م .
وتدور السنون ولم يدرك أكثر الناس مغزى هذا الاكتشاف حتى انفجرت أعنف حروب التاريخ وأشدها هولًا ( الحرب العالمية الثانية ) هناك ذهلت أوربا بجحافل هتلر وهي تدك باريس وقذائفه وهي تغطي سماء لندن وكتائبه وهي تسحق لينينجراد ولكن الذهول الأكبر كان ساعة الانتصار حيث سقطت القنبلة الذرية على هيروشيما [2] ، وكان إعلان انتصار الحلفاء يعني في الوقت نفسه إعلان وقوف الإنسانية على حافة الهاوية الكبرى .
وفي هذه الأجواء الخانقة والمشاهد الفظيعة ظهرت ألوان من الآراء والمذاهب أكثر قتامة وعبوسًا وأكثر شعورًا بتفاهة الحياة وعبثها .
(1) وقد ارتد إليوت إلى الكاثوليكية وأصبح يكتب كأشد القساوسة تعصبًا ولكن الداخلين في جحر الضب من الحداثيين العرب يتغافلون عن هذا ، ونظيره في ذلك الكاتب"جراهام جرين"الذي ارتد عن الاشتراكية إلى الكاثوليكية ، وهكذا نجد العودة إلى الدين الباطل غير مستنكرة في الغرب أما العودة إلى دين الله فهي في نظر المتعلمنين ظلامية ونكوص وتخلف !!
(2) ألقت أمريكا ( التي لا تفتؤ تتهم المسلمين بالإرهاب وتتشدق بحظر أسلحة الدمار الشامل ) تلك القنبلة الجهنمية على المستشفى العام في المدينة فتبخر مثل نقطة ماء على صفيح ملتهب وتفحم ما حوله من المدينة حيث لم يكن أي قاعدة عسكرية ولم يكن من بين مئات من الضحايا عسكريون إلا من كان موجودًا اتفاقًا أو في إجازة !!