ومع اتساع الهوة بين الواقع المعاصر - بيأسه وقنوطه ومعضلاته المستعصية - وبين النظريات الوضعية الشمولي منها والنسبي ظهر جليًا عقم الفلسفة وارتدت في كرة خاسرة يصدق عليها قول أحد كبارها (( إنها ثرثرة تهدف إلى التخلص من الثرثرة ) )وتسرب فراغ المضمون هذا إلى الملجأ الهش الذي هرب إليه فلاسفة اللامعقول وهو"الأدب"وكان الدخول من باب"النقد"الذي باسمه تحولت اللغة إلى موضوع رئيس لجدل فلسفي عقيم وكان استدراج فروع الأدب كافة إلى هذا المستنقع متلاحقًا وسريعًا ، ولعل أوضح الأدلة على ذلك انسياق الماركسية له رغم شموليتها المغالية واعتسافها المطلق للأدب في إطار"الواقعية الاشتراكية"التي لا تزيد عن كونها نموذجًا مدرسيًا معاصرًا - كما عبر جارودي - .
وهكذا تحول الاهتمام ( وبخاصة في فرنسا ) عن موضوع"الأنا والعالم ، والوجود ، والمادة ، والعقل ..."الخ إلى"النص ، الشكل ، التركيب ، البنية ، الرمز ، الأسطورة ..."الخ كما تحولت الأفكار من المعارك التقليدية بين الفلسفات المنهجية كالحال بين الماركسية والوجودية إلى ضروب جديدة متنافرة من التقلبات الفكرية والجدل غير ذي الموضوع ، وهو ما شهده العقد السادس الميلادي الذي يمكن أن يوصف بأنه"عقد البنيوية"!!
ففي الستينيات برزت البنيوية منافسًا للوجودية من جهة ، وتطويرًا للمادية الجدلية من جهة أخرى ، وتغلغلت في كثير من العلوم حتى ظهر منافسها"التفكيكية"في السبعينيات .
واختلفت آراء البنيويين في البنيوية وذهب بها كل منهم مذهبه ، وحدثت نتيجة لذلك فوضى فكرية ما تزال تغمر الفكر الغربي ، وقد جلبها اليسار العربي ومؤسساته ، وبعض الاتجاهات الوجودية الملفقة إلى العالم العربي ، حتى اكتظت بها الملاحق الأدبية في الجرائد اليومية فضلًا عما عداها ، هذا في حين أن الزمن قد عفى عليها في بلادها .