فهرس الكتاب
وقد قدمت أولى الحملات الصليبية سنة 492 هـ. وقال عنها ابن الجوزى: وردت الأخبار بأن الإفرنج ملكوا أنطاكية، ثم جاءوا معرة النعمان فحاصروها، وقتلوا ونهبوا، وقيل: إنهم قتلوا ببيت المقدس سبعين ألف نفس، وكانوا قد خرجوا في ألف ألف..."ونقف عند عبارة ابن الجوزى: قيل: إنهم قتلوا سبعين ألفا! الأمر عنده، وعند سكان بغداد، وفى مركز الخلافة الإسلامية لا يعدو أن يكون إشاعة!! إن دار الخلافة آخر من يعلم، وأنى لها العلم ورجال الدولة في شغل بصيد المتع ونشدان الملذات والتقاتل على السلطة.. كان الحكم مغنما يستحق المخاطرة! أَبَلَغَ أولئك النتنى من الخلفاء، أن عمر بن الخطاب آثر صرف الخلافة عن ابنه ضنا عليه بمتاعبها ومغارمها قائلا:"بحسب آل الخطاب أن يحاسب واحد منهم عن المسلمين". كانت الخلافة أيام الرجل الكبير عبئا ومغرما.. ثم جاءت أيام الملك العضوض فأصبحت بقرة حلوبا.. فلما هجم الصليبيون على فلسطين كان التقطع في كيان الأمة الكبيرة قد بلغ مداه، ولولا أن مذبحة بيت المقدس طمت وعمت واستحال حصر أبنائها لبقى النائمون نياما. ولم تلبث دولة الخلافة غير قليل حتى دفعت ثمن بلادتها فاجتاحها التتار، وجعلوها خبرا كان، ولم تغن عنها الألقاب الخادعة من مسترشد بالله! ومقتف لأمر الله، ومستنجد بالله! وناصر لدين الله.. الخ!. إن الظن لا يغنى من الحق شيئا، فكيف بالكذب الصراح؟ والمسلمون إذا لم يصدقوا الله فلا يلومون إلا أنفسهم!! أثر الاستبداد السياسى على الدين والحياة قد يقال: أين جهاد العلماء في مقاومة هذه الفوضى؟ والجواب يقتضينا شيئا من التفصيل، فإن أصحاب العقول الكبيرة والهمم البعيدة حاربهم الاستبداد السياسى، وفض مجامعهم، فضاقت الدائرة التى يعملون فيها، وتضاءل الأثر الذى يرتقب منهم.. ص _037"