فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 136

والمرء لا يسعه إلا الحزن لمصائر قادة الفكر الدينى الذين قتلوا أو أهينوا وحيل بينهم وبين نفع الجماهير.. ومع غياب هؤلاء انفسح المجال لعارضى الأحاديث الذين يخبطون في السنة الشريفة خبط عشواء.. ولفقهاء الفروع الذين خدعوا العوام بسلعهم، وأوهموهم أنهم يشرحون لباب الدين وشعب الإيمان الكبرى، وهم في الحقيقة يذكرون تفاصيل ثانوية يكثر فيها الأخذ والرد، ولا تمس جوهر العقيدة أو الشريعة. إن الأحاديث الشريفة ـ بعد تمحيص سندها ـ تحتاج إلى الفقيه الذى يضعها في الإطار العام للإسلام الحنيف، ولكن جاء ناس يروون للعامة ـ مثلا ـ حديث الترمذى عن أبى هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام"أو حديث أبى داود عن أبى سعيد قال: جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين ـ وإن بعضهم ليستتر ببعض من العرى ـ وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا، فسكت القارئ، فقال:"ما كنتم تصنعون؟"قلنا: كان قارئ يقرأ علينا نستمع كتاب ربنا، فقال:"الحمد لله الذى جعل في أمتى من أمرت أن أصبر نفسى معهم"وجلس وسطنا ليعدل نفسه بنا. ثم قال بيده هكذا ـ يعنى أمرهم أن يصنعوا دائرة ـ فتحلقوا وبرزت وجوههم، فما رأيت رسول الله عرف منهم أحدا غيرى!! ثم قال:"أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بخمسمائة سنة". بديه أن هذه الأحاديث للمواساة والبشرى، ولا تعنى أبدا أن الغنى عيب، وأن الثراء يؤخر المنزلة. بيد أن جهلة المحدثين أرادوا إقامة مجتمع من الصعاليك ورووا آثارا تجعل عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا! وهذه بلاهة منكورة، فإن المال قوام الحياة وأساس الدولة، وكافل المؤسسات المدنية والعسكرية، وعبد الرحمن بن عوف هو بنص القرآن من السابقين الأولين، الذين حازوا الرضوان الأعلى، وبشروا قبل غيرهم بالجنة.. وتحبيب الفقر للناس كما يفعل أولئك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت