فهرس الكتاب
المحدثون القاصرون جريمة. ص _038
فإذا انضم إلى هذا أن العرب يحتقرون الحرف- تمشيا مع جاهليتهم الأولى- ويفضلون عليها الفقر عرفت أى مجتمع تصنعه هذه التعاليم. والغريب أن هذه الأحاديث كانت تروى وفى الأمة الإسلامية طبقات انتفخت من السحت. وبدلا من تقويم عوجها بالآيات والسنن الصحاح، انتشرت هذه المرويات، وانتشر مثلها في ميادين كثيرة، مما بلبل المجتمع وكاد يفقده وعيه..! معارك في فقه الفروع أما فقهاء الفروع فقد زادوا الطين بلة، وزحموا أوقات الناس بصور من الأحكام تكتنفها التهاويل المزعجة، مع أنها لا تستحق لا هذا الجهد ولا هذا الوقت.!! ثم أعلنوا حروبا غير شريفة على من يخالفهم في تلك الأحكام الجزئية. روى ابن الجوزى عن الشيخ ابن عقيل، قال: رأيت الناس لا يعصمهم من الظلم إلا العجز! لا أقول: العوام، بل العلماء. كانت أيدى بعض الحنابلة مبسوطة في أيام ابن يوسف - الحاكم السابق - فكانوا يتسلطون بالبغى على أصحاب الشافعى في الفروع ـ التى يخالفونهم فيها ـ حتى لا يمكنوهم من الجهر بالقنوت، وهى مسألة اجتهادية ـ يعنى لا حرج في الاختلاف فيها ـ فلما جاءت أيام النظام ومات ابن يوسف، وزالت شوكة الحنابلة استطال عليهم أصحاب الشافعى استطالة السلاطين الظلمة فاستعدوا عليهم، وآذوا عامتهم بالسعايات، والفقهاء بالنبز والاتهام بالتجسيم! قال ابن عقيل: فتدبرت أمر الفريقين فإذا هم لم تعمل فيهم آداب العلم، وهل هذه إلا أفعال العسكر؟ يصولون في دولتهم ويلزمون المساجد في بطالتهم!". وذكر ابن الجوزى عن أبى نصر القشيرى ـ الواعظ بالنظامية ـ أنه كان يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم، فرموه بالحجارة حتى وصلت إلى حاجب الباب، وتقاتل القوم مرة بسببه، حتى وقع بينهم قتلى وجرحى وحرق ونهب إلى أن أرسل الخليفة من أخمد الفتنة..! ص _039"