فهرس الكتاب
وأى شذوذ أشد من مخالفة الآى، وأى قادح أقوى من مصادمة العدل؟. أما صدر هذا الأثر فهو تصوير للعلم الإلهى، وما تضمن في سجلاته مما كان ويكون أزلا وأبدا.. وهذا ما لا شك فيه. على أن علاقة العلم الإلهى بأعمال الناس علاقة انكشاف وإحاطة، وليست علاقة سلب وإيجاب، أو إيجاد وإعدام أو ضغط وإكراه.. وعلماء الأمة متفقون على أن خبر الآحاد مردود إذا ما خالف المتواتر، وبديهى أن يتلاشى الظن أمام اليقين.. ويشاء الله أن نرى مثالا لذلك في سورة الليل ذاتها... خبر الواحد تتلاشى صحته بمخالفة المتواتر قال القرطبى وهو يفسر قوله تعالى: (وما خلق الذكر والأنثى) : روى عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: (وَ النَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَ الذَّكَرَ وَ الأُنْثَى) ويسقط (وَ مَا خَلَقَ) . وفى صحيح مسلم عن علقمة قال: قدمنا الشام فأتانا أبو الدرداء، فقال: فيكم أحد يقرأ على قراءة عبد الله؟ فقلت: نعم أنا.. قال: فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية: (و الليل إذا يغشى) قال: سمعته يقرأ: (و الليل إذا يغشى * و النهار إذا تجلى * و ما خلق الذكر و الأنثى ) قال: وأنا والله هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها! ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ (و ما خلق) فلا أتابعهم!! قال ابن العربى في كتابه الأحكام: هذا مما لا يلتفت إليه بشر، إنما المعول عليه ما في المصحف، فلا تجوز لأحد مخالفته.. فإن القرآن لا يثبت بنقل الواحد وإن كان عدلا، وإنما يثبت بالتواتر الذى يقع به العلم، وينقطع معه العذر، وتقوم به الحجة على الخلق. ويعقب القرطبى على حديث أبى الدرداء السابق برفضه وضرورة الأخذ برواية الجماعة وإبطال نقل الواحد لما يجوز عليه من النسيان والإغفال..!! والواقع أن خبر الواحد تتلاشى صحته عندما يخالف المتواتر. والمسلمون على هذه القاعدة. ص _088