فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 136

العلم الإلهى لا يعنى الجبر وهنا يرد الحديث المشهور عن سبق الكتاب وأثره في مصادر العباد.. والمعنى الصحيح لهذا الحديث يحتاج إلى بيان، ونرى أن نضرب مثلا بين يدى المعنى المراد.. قد ينظر المدرس إلى طلابه نظرة فاحصة، ثم يصدر أحكاما عليهم حسب ما يرى من ذكائهم وجهدهم، ويذكر أحكامه هذه لصديق له قد يرى في مظاهر الطلاب ما يغاير ذلك.. ويجئ الامتحان النهائى وتظهر النتيجة، ويسأل أستاذ الفصل صديقه عن أحوال الطلاب فيقول له هذا الصديق: لم يفلتوا من حكمك أو: نفذ فيهم رأيك..!! سقط من قدرت سقوطه ونجح من قدرت نجاحه!. هل معنى هذه العبارات أن علم الأستاذ بخبايا الطلاب الفكرية والخلقية هو الذى أحدث ما حدث؟ العبارات كلها مجازية، والجهد الدراسى وحده هو الذى أسقط من سقط، وأنجح من نجح..! على ضوء هذا المثال ندرك أن العلم المكتوب لا يعنى الجبر الإلهى، وأن عبارة"سبق الكتاب"لا تفيد إلا التنويه باستحالة تخلف هذا العلم لكماله لا لشىء آخر.. ولو أن حديث سبق الكتاب لا يفيد إلا الجبر لرددناه ـ وإن صح ـ لأن خبر الواحد لا يعترض يقينا عقليا أو نقليا.. قال صديق: إن المعنى الذى قررته يخفى على كثيرين! قلت: وينبغى عدم ذكر هذا الحديث للناس إلا مقرونا بمعناه الحق.. فليس كل حديث يروى وإن صح إذا كان سيعقب فوضى في سلوك العامة! إن النبى صلى الله عليه وسلم عرف معاذ بن جبل أن حق العباد علي الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا، قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال:"لا تبشرهم فيتكلوا"رواه مسلم. وقد استجاب رسول الله لرأى عمر بن الخطاب في منع أبى هريرة من التحدث بمثل هذا قائلا:"يا رسول الله أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون قال رسول الله:"فخلهم"ص _090"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت