فهرس الكتاب
وهذا ضلال بعيد، فإن المعنى انكشاف العلم القديم، ووقوع الأحداث على النحو الذى تتم به محاكمة هؤلاء في الدنيا والآخرة، فالقاضى لا يحكم بعلمه، ومهما كانت خبرة الأستاذ بتلامذته فلا نجاح ولا رسوب إلا بامتحان يظهر الخبايا.. وعلم الله بكونه ليس معجزا ولا مضنيا، ألا يعلم من خلق؟ إن الأمس واليوم والغد صفحة واحدة أمام شهود لا يغيب، وعلم لا يضل ولا ينسى.. ومن هنا قال المفسرون: (كل يوم هو في شأن) شئون يبديها ولا يبتديها..! الأمر الثانى: ما يكلف العباد به لا تلغى إرادتهم بإزائه! فحريتهم النفسية والفكرية قائمة وعلى أساسها تتم محاسبتهم! وإذا حدث ـ لأمر ما ـ أن صودرت هذه الحرية فإن التكليف الأعلى يقل بنسبة ما يصادر! ويمتنع عقلا وشرعا أن يؤاخذ الله عبدا ليس له كسب أو اكتساب.. وكل أثر يفيد أن الجنة والنار مصادفات، وأن الناس يقادون إلى مصايرهم وفق مخطط لا دخل لهم فيه، فهو مرفوض!. إن النصوص القطعية والقواعد الثابتة تأبى ذلك كل الإباء.. الأمر الأخير.. يعلم الناس، مؤمنهم وكافرهم، أن الأعمال التى يحسونها قسمان: إرادية وغير إرادية، قد أدخل البيت أو أخرج منه بمشيئتى، وقد أرفع يدى أو أخفضها بمشيئتى.. ولكن أين مشيئتى في حركتى الزفير والشهيق، في دقات قلبى وأنا نائم أو يقظان؟ بل أين مشيئتي في ميلادى ووفاتى، وتيارات الحياة التى تتقاذفنى كما تتقاذف الأمواج زورقا خفيفا؟ وأين مشيئتى في قدراتى المادية والأدبية التى زودنى الله بها وانفرد بتحديد كمها وكيفها..؟ إن غددا معينة ـ لا سلطان لى على إفرازها ـ قد تسبب الخوف أو الجرأة أو العفة أو الجماح..! ص _092