فهرس الكتاب
واستطاعت أن توسع رقعتها، وتفرض شخصيتها، بل استطاعت أن تكرر أكذوبتها الحقيرة: الجيش اليهودى لا يقهر!. تصعيد الروح المعنوية قوة ونصر وعقب هزيمة 1967 كان الجيش المصرى يعانى آلاما هائلة، وكنت مع عشرات من الدعاة نختلط برجاله ونتحدث معهم حديثا ذا شجون. كان الحاج"حافظ سلامة"إمام مسجد الشهداء قد عقد اتفاقا مع الضباط المنبثين في الجبهة أن يزودهم بخطباء يصلون الجمعة بالجنود، وآخرين يسمرون معهم الليل، ويدرسون معهم فصولا من الجهاد الإسلامى. وكانت السيارات تنقلنا عشرات الأميال لنقوم بهذه الواجبات، ثم تعود لتجمعنا من الفرق التى توزعنا عليها لنبيت في مسجد الشهداء، أو ليعود بعضنا إلى القاهرة. وبقينا سنين لا نسأم من التحشيد وتصعيد الروح المعنوية، وبين الحين والحين كنت أذهب مع بعض الإخوة لنرى اليهود قابعين على الضفة الشرقية، فتسرى الكآبة في فؤادى، وأتراجع مخترقا الدور المهدمة ـ وما أكثرها ـ وأقول في نفسى: لو كان هذا التخريب أثر مقاومة شريفة من بيت إلى بيت ما حزنت، ولكنه عمل قادة صغار ضاعت عقولهم من فرط الإدمان، وضاعت أخلاقهم من فرط التهارش والأثرة..! وكان آخر العهد بهذه الجبهة أوائل سنة 1973، في ليلة غاب القمر فيها، وتغورت النجوم، وفهمت من الحاج"حافظ سلامة"أن العمل سيكون في أحد الخنادق أبعد من"الشلوفة"بعدة أميال.. نزلت من السيارة، وتيممت الخندق، وأنا لا أرى شيئا أبدا، وشرع رفاقى ينحدرون بى رويدا رويدا حتى بلغت المكان، وكانت تنبعث منه أضواء خافتة، وتحدثت مع مجموعة من الضباط في موضوعات كثيرة، وأجبت عن أسئلة مختلفة، ونفست عن بعض الأحزان، وسكنت بعض القلق.. ثم خرجت من تحت الأرض ومشاعرى تغلى، وكان الجنود الذين يصحبوننى يحسون أنى أضع قدمى حيث لا أدرى، وأنى أتعثر في ليل ليس فيه بصيص نور، وصحراء متماوجة الكثبان. ص _096