فهرس الكتاب
ومرة أخرى انشقت الحناجر بالتكبير، وصرخ أهل الفداء يطلبون الشهادة، وتوقفت الدبابات عن المسير، فقد أصيبت في مقاتلها! ها هى ذى الأولى تحترق، والثانية تتبعها، والثالثة تعطب، إن الصف كله اختل. وتراجع اليهود مذعورين وقد أحسوا أن الزبانية سوف تتخطفهم إن تقدموا، فنكصوا على أعقابهم، ونجت المدينة المعزولة! تحول المسجد إلى غرفة عمليات باهرة، إنه لا يسهر على الدفاع وحسب، وإنما يرسل بالمؤن إلى الجيش الثالث الذى كان مستر"كيسنجر"قد خطط له أن يموت جوعا وعطشا.. ورأيت مكاتبات من الضباط المعزولين في الصحراء، يطلبون لجنودهم ما يحتاجون إليه، وقفت المآسى شيئا ما بعد النجدة التى نهض بأعبائها إمام المسجد! والأمر الذى يدعو للدهشة أن صنيع الرجل الشجاع وإخوانه الشهداء أو الذين بقوا أحياء قد أهيل عليه التراب عمدا.. إن أهل السويس يعرفون رجلهم كما يعرفون أبناءهم. وكان جزاؤه السجن والاتهام بالجنون. وتربص به حتى سنحت فرصة فاعتقل بين الرجال الذين أمر باعتقالهم قبيل مصرعه !! ما أخس العقوق والخيانة!! وأترك هذه القصة لأقول رأيى في هذه الحرب وغيرها: إن القادة الكبار أو الساسة المسئولين كانوا دون مستوى الجيوش التى فرضوا عليها. هذه أضعف كلمة تصف ملكاتهم وقدراتهم النفسية، ولا أحب أن أقول كلمات أقسى أو أصرح.. إن الجمهرة الكبرى من الضباط والجنود كانوا أهلا لكسب أعتى المعارك، ولا تزال مخايل البطولة والفداء تتألق في شمائلهم، وهم يؤدون واجباتهم بسرور ورضا في أحرج المواقف.. ولكنهم وقعوا ضحايا ساسة محقورين، ومؤامرات عالمية تريد أن تصف اليهود بالشجاعة البالغة وأن جيشهم لا يقهر، حتى يفقد العرب كل ثقة في أنفسهم ومستقبلهم. ص _101