الصفحة 106 من 183

ولقد نهض عدد كبير من العلماء بدحض الفكر الباطنى وفضح خرافاته حتى انصرف عنه جمهور العقلاء، وانكسرت حدته السياسية انكسارا تاما. لكن حكام المسلمين ـ في غيبوبتهم الفكرية ـ لم يكملوا ما بدأه العلماء المجاهدون، بل لقد خيل إلى أنهم جمدوا ـ عن عمد ـ بقايا الباطنية، مع أن قضاياها أمست بلا موضوع. وجمهور المنتسبين إلى هذه الفرق انقطع عن المنابع التى كانت تمده في القديم، وبقيت نسبته إلى الإسلام أبرز في وعيه من النسبة إلى أفكار أخرى.. والخطوة التالية والواجبة أن يستلحق الكيان الإسلامى الكبير هذه الطوائف التى اقتطعت منه لظروف مؤسفة، يستطيع بالتعليم الموصول والإعلام الدائم أن يجعل راية الكتاب والسنة ترفرف عليها وعلى جميع المسلمين.. نعم، فليس لهذه الطوائف دين تنتسب إليه إلا الإسلام ـ كما يقولون ـ وليست لها فلسفات عقلية أو اجتماعية تمثل مذهبا مستقلا في الحياة، وربما كانت الروابط التى تمسك أبناءها روابط قبلية، أو عصابات جنسية.. وخطأ الجماعة الإسلامية في الحفاظ على كيانها الكبير لا يجوز أن يستمر بعد اليوم.. لقد دخل الصليبيون الأندلس فلم يبقوا فيه إلا مذهبا واحدا هو"الكثلكة".. وسيطر الإسلام على ما يسمى الآن"الشرق الأوسط"وبقى فيه أربعة عشر قرنا، ومع ذلك فإن الطوائف الكثيرة لا تزال تكون فيه عصبة أمم..!! ربما كان ذلك شاهدا على ما انفرد به الإسلام من سماحة مستغربة في التاريخ البشرى الحافل بفنون التعصب.. ولكن هذه السماحة لا يسوغ أن تتحول إلى فتوق تأتى عليه من القواعد، وتأذن للخيانات والمخادعات أن تنال منه. وعلى الجماعة الإسلامية أن تدافع عن وجودها بالوسائل العادية التى فاتتها من قديم، أى أن عليها تذويب هذه الفرق كلها في الكيان العام. ص _109

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت