فهرس الكتاب
الكرامة لاكتمال الولاية أو لصحتها ضرب من الهزل، وليس لهذا التفكير أى أصل دينى.. ربما تقع الخوارق ـ التى يعجب بها العامة ـ لأناس فقدوا أصل الإيمان والاستقامة. وقد قرأت عن أناس لا يمتون إلى الإسلام بصلة أخبارا مثيرة من رؤى جاءت كفلق الصبح، ومن إخبار بمغيبات صدقتها الأيام، إلى غير ذلك، فكان تعليقى الأوحد: لا كرامة لمن انقطعت بالله علاقته واضطربت في الحياة مسيرته! فالكرامة قبل كل شئ وبعده عقل مؤمن وخلق قويم! ولا وزن لمن فقد ذلك ولو مشى على الماء أو امتنع عن الطعام الشهور الطوال.. ويحزننى أن الفكر الدينى عند العامة وأشباههم من أنصاف المتعلمين كاد يجن بالكرامات المادية، وأولع بإحصاء المئات منها لمعارف ونكرات حتى سقط قانون السببية أو كاد، وكان لذلك أوخم الآثار على الحضارة الإسلامية. بل إن ذلك أفسد القيم الخلقية عند الكثيرين، واسمع إلى هذه النادرة: ارتكب أحدهم جريمة مزرية، وشعر الجمهور فطارده ليقبض عليه، وكان واثقا من الظفر به لأنه يقترب من شاطئ النهر، ولكن المطاردين فوجئوا بصاحبهم يتجاوز اليابسة ويمشى بقدميه على الماء، فوقفوا مشدوهين، ونظر إليهم المجرم الولى يقول: هذا عطاؤه، وذاك قضاؤه. يعنى هذا المشى الخارق عطاؤه، وذاك الجرم السابق قضاؤه!! ودلالة القصة ظاهرة وأثرها خطر. ورأيت وأنا شاب رجلا على كوم من التراب في ريفنا المصرى، كان رث الهيئة مرقوع الملابس ظاهر البطالة! وقال لى أحد الناس: هذا الشيخ فلان من أولياء الله! فتجاوزته دون اكتراث، فقال لى الرجل لائما: ألم يقل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"رب أشعث أغبر ذى طمرين لو أقسم على الله لأبره"؟. فقلت له: ويحك، ما دخل هذا الحديث في صاحبك القذر؟ إن الحديث يستلفت النظر إلى أن المواهب العظيمة لا يزرى بها الفقر، فرب كادح مغبر الجبين أشرف من مترف معطر الملابس، لأن هذا الكادح ـ كما رووا عن الإمام الشافعى: ص _122