فهرس الكتاب
نعم في هذه القبور أحباؤنا وأقرباؤنا ومن عشنا معهم آمادا طالت أو قصرت، وكما قال المعرى: وقبيح بنا وإن بعد العهد هوان الآباء والأجداد إننا بزيارة القبور نسترجع ذكريات، وقد"نسكب العبرات، وندرك أين المصير مهما حيينا.. وقد كلفنا بزيارة القبور لترق الأفئدة، وندعو لمن سبقنا بالمغفرة. وقد نزور قبرا معينا لنستحيى بزيارته معانى البطولة، ونعلن وفاءنا وتقديرنا لصاحبه على نحو ما قال الشاعر لسحابة حافلة تعبر الأفق: أمِّى الضريح الذى أسمِّى ثم استهلى على الضريح ليس من العدل أن تشحِّى على فتى ليس بالشحيح وزيارة القبور بداهة ليست عبادة لها... وأعرف أن بعض الناس تربطهم بسكان القبور بعض مشاعر الرجاء.. وأعرف أن هذه المشاعر نفسها ـ أو أحر منها ـ موجودة عند رواد القصور، وأذناب الحاكمين، وهى مشاعر مرفوضة جملة وتفصيلا ما دامت توهن أمل الإنسان في الله، وترده إلى غيره من الأحياء أو الأموات. نحن نغار على عقيدة التوحيد، ولا نسيغ شركا ونقبل آخر، وكم يحزننا أن يكون قلب امرئ ما فارغا من الله مملوءا بغيره ممن بقوا أو هلكوا. والاستعانة على قضاء الحاجات تكون بالله تبارك اسمه، ولا يجوز أن يتجه مسلم إلى قبر ليطلب من صاحبه عونا، فلماذا نترك الملك الأعلى ونتعلق بعبد من عباده؟ وماذا يملك هذا المقبور لأمثاله من الناس؟ إنه لأمر مؤسف أن يشيع بناء القبور على المساجد مع ما ورد من تحريم ذلك، حتى وهم الناس في بلادنا أن المسجد ما يكون إلا على قبر لأحد الأولياء، يعتقد العوام أنه مهوى القلوب وملتقى السائلين!! ومعرفتى بالمساجد تجعلنى أندد بأمور رأيتها.. زرت أحد المساجد بمحافظة البحيرة، فرأيت القبر يتوسط المسجد توسطا منكرا، بحيث تكون صفوف المصلين أمامه وخلفه عند امتلاء المسجد! قلت: إن المساجد لله، وهذا المسجد للقبر! فرض القبر نفسه على مساحته بهذا الوضع الغريب.. ص _12 ص"