الصفحة 14 من 183

ولا ريب أن الاستعمار العالمى وراء هذه الجهود المنكورة، فهو منذ احتل البلاد الإسلامية حرص على تعطيل الأحكام الشرعية، وطمس شارات الإسلام في كل أفق، وتسميم الكيان الإسلامى كله ببطء وذكاء حتى يلقى حتفه بعد أمد غير بعيد. ولم يترك الاستعمار بلدا ما يسحب عساكره منه إلا بعد أن يضع مقاليد هذا البلد في أيد تعمل له، وتضرب بسيفه، وتفكر بعقله. بل لعل الذين خلفوه كانوا أشد منه ضراوة وجراءة، في الإجهاز على ما بقى من مراسم الإسلام، وشن حرب استئصال وحشية على الجماعات التى ظلت موالية له متمسكة به. وكانت النتيجة بعد تلك الغارة الحقود على رسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن قبل العيش في ظل إسلام مفتعل، ما فيه من عبث الناس أضعاف ما فيه من وحى الله!! وكاد جمهور كبير من أتباع محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يألف استقرار الربا والزنا، وإهمال الصلاة والصيام، ومداهنة الملحدين والفسقة، ثم مطاردة أهل اليقين والجلادة والوفاء لهذا الدين العظيم.. وليس من الحق تحميل الاستعمار الأجنبى أوزار تخلفنا المادى والأدبى. نعم إنه يستديم ضعفنا ولكنه ليس سبب هذا الضعف! إننا نحن المسلمين الذين فرطنا في ديننا وأسأنا إليه طورا بالإهمال الشنيع وطورا بالتأويل الفاسد وطورا بالتطبيق الغبى. ومن أعصار مديدة والشقة بيننا وبين الحق تتسع، بل إن العلاقة بين الإسلام وأمته ظلت تهن وترق حتى انقطعت في أماكن كثيرة.. وانتهينا في هذا القرن إلى أوضاع يجب أن نكشف سوءها ونفشى خبرها. فأجهزة الدعوة الإسلامية ميتة أو مشلولة في أيام تبرجت فيها الدعوات وافتنت في عرض نفسها. وأجهزة الشورى المصاحبة لنظم الحكم ميتة أو مشلولة في أيام دللت فيها الجماهير وتوطدت الحريات السياسية. وأجهزة الاقتصاد القومى تحيا على هامش الدنيا، وليس للاقتصاد الإسلامى تفوق حضارى أو صناعى ينظمه بين الدول العشر الأولى أو الثانية، بل جمهور المسلمين ينتسبون إلى العالم الثالث،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت